منذ عام 2003، والعراق يعيش دوامة متواصلة من الأزمات، تتعاقب فيها الحكومات وتتغير الوجوه، لكن معاناة المواطن تبقى ثابتة، وكأنها قدر لا يتبدل. صراع على مختلف الأصعدة؛ اقتصادية ترهق كاهل الفقراء، وأمنية تحصد الأرواح، وسياسية تعمّق الانقسام بدل أن تعالجه. حتى لحظات الهدوء القليلة التي تمر على البلاد تبدو وكأنها “استراحة محارب”، أو كما يصفها البعض: فترة سبات بين مصيبتين.

يُقال إن الجار نعمة، لكن في حالة العراق، تحوّلت الجغرافيا إلى عبء ثقيل. موقعه جعله ساحة مفتوحة للتجاذبات والتدخلات، وسط غياب واضح لاحترام السيادة والحدود. هذا الواقع جعل من الأرض العراقية مسرحاً لصراعات لا تنتهي، يدفع ثمنها الأبرياء من دمائهم وأحلامهم.

في اقليم كوردستان، لم تتوقف الاعتداءات والانتهاكات التي تطال القرى الآمنة والسكان المدنيين. القصف، العمليات العسكرية، والخروقات المتكررة للسيادة، كلها تترك خلفها شهداء من النساء والأطفال، أناس لم يكن لهم ذنب سوى أنهم يعيشون على أرضهم. تتكرر المآسي، وتُسجّل كأرقام في نشرات الأخبار، بينما الألم الحقيقي يبقى في قلوب الأمهات والآباء الذين فقدوا أبناءهم دون ذنب.

أما في الجنوب، فاليوم يضاف جرح جديد إلى سجل الألم، حيث يسقط شهداء أيضاً، في ظل توترات حدودية وحوادث تتكرر بين الحين والآخر، ومنها ما يرتبط بالحدود مع دولة الكويت. هذه الأحداث، مهما كانت خلفياتها، تظل نتيجتها واحدة: أرواح بريئة تُفقد، وعائلات تُفجع، وقلق يتجدد في مناطق يفترض أن تنعم بالأمان.

الجنوب الذي عُرف بصبره وهدوئه، بات يواجه تحديات إضافية، ليس فقط بسبب الأوضاع الداخلية، بل أيضاً نتيجة تعقيدات الجغرافيا والحدود، وسوء إدارة الأزمات. وبين الشمال والجنوب، تتكرر الصورة ذاتها: مواطن بسيط يدفع ثمن صراعات أكبر منه.

ما بين كوردستان والجنوب، تتوحد المأساة وإن اختلفت الأسباب. الضحية واحدة: الإنسان العراقي. دماء تُهدر بلا حساب، وأحلام تُدفن قبل أن ترى النور. وبين هذا وذاك، يقف المواطن عاجزاً، يتساءل: إلى متى؟