بينما تحاول الصالونات السياسية في بغداد تصوير إدخال نظام أسيكودا (ASYCUDA) العالمي إلى منافذ إقليم كوردستان كأنه مجرد تحديث تقني عابر، يبرز الواقع حقيقةً أكثر عمقاً واستراتيجية، إنها معركة حول من يملك القرار الاقتصادي في ظل نظام فيدرالي، إقليم كوردستان لا يرفض التكنولوجيا أو الشفافية بل يرفض المركزية المقنّعة التي تحاول مصادرة خصوصيته الاقتصادية تحت غطاء الرقمنة، نحن اليوم أمام مفترق طرق..إما نظام جمركي يحقق الشفافية عبر الشراكة، أو تبعية رقمية تضرب أمن المواطن المعيشي في الصميم.

أولا/ المظلة الدستورية.. الاختصاص المشترك هو الفيصل

يحاول البعض تصوير مطالب الإقليم بالمرونة الجمركية كأنها تمرد لكن الدستور العراقي لعام 2005 هو الحكم:

المادة 114 (أولاً).. تنص صراحة على أن رسم السياسة الجمركية وتنظيمها هو اختصاص مشترك بين السلطات الاتحادية وسلطات الأقاليم، هذا يعني قانوناً أن بغداد لا تملك حق الانفراد بفرض نظام أو زر تحكم تقني دون توافق وإدارة مشتركة مع أربيل.

المادة 121 (ثانياً).. تمنح الإقليم سمو القانون المحلي في القضايا المشتركة إذا حصل تعارض يمس مصلحة مواطنيه، ومن هنا فإن حق كوردستان في حماية سوقها من التضخم هو استحقاق دستوري أصيل.

ثانياً/ تفنيد فرضيّة التعطيل.. لماذا يطلب الإقليم الوقت؟

تُردد بعض الأطراف أن الإقليم يضع عوائق أمام أسيكودا والحقيقة أن هذا التريث هو إجراء وقائي استراتيجي:

حماية السلم المجتمعي.. توحيد التعرفة الجمركية قسراً قد يؤدي لارتفاع أسعار المواد الأساسية بنسب تصل لـ 30%، الإقليم يطلب الوقت لضمان استثناءات تحمي، رغيف الخبز، الدواء، والمواد الأولية للمصانع.

السيادة التقنية (زر الإغلاق).. الإصرار على أن تكون قواعد البيانات مدارة بشكل مشترك، يهدف لمنع استخدام النظام كأداة ضغط سياسي بقرار إداري منفرد من المركز مما قد يشل حركة التجارة في الإقليم بضغطة زر.

العدالة في التطبيق..  طالب الإقليم بأن يُطبق النظام بنفس الصرامة في جميع منافذ العراق، الوسط والجنوب قبل مطالبة كوردستان بالاندماج الكامل لضمان عدم هروب الحركة التجارية نحو المنافذ الرخوة خارج الإقليم إن تطبيق أسيكودا في كوردستان مع بقاء منافذ رخوة في مناطق أخرى سيعاقب التاجر الملتزم في الإقليم ويشجع التجارة غير القانونية في أماكن أخرى مما يجعل دفاع الإقليم هنا دفاعاً عن نزاهة الدولة كلها، وما كشفته التقارير الرقابية مؤخراً عن فساد تقني مرعب في منافذ بغداد كخروقات منفذ مندلي، حيث يتم استغلال نظام أسيكودا نفسه لتمرير سلع غالية الثمن كالسيارات بوصفها سلعاً رخيصة كالدراجات النارية عبر تيمات متنفذة، يثبت أن هواجس الإقليم بشأن أمن النظام وعدالة تطبيقه هي هواجس في محلها تماماً.

البعد الجيوسياسي وسمعة البلاد.. يمثل الإقليم شريان الترانزيت الدولي الأهم بين تركيا والعراق وأي اضطراب تقني ناتج عن نظام غير ناضج قد يؤدي لتكدس آلاف الشاحنات، مما يضر بمكانة العراق التجارية دولياً ويحول مسارات التجارة العالمية بعيداً عن أراضينا.

ثالثاً/ تحليل الهاتف (الحلقة المفقودة).. الضمان مقابل الالتزام

الحلقة المفقودة في هذا الصراع هي الثقة المالية، لا يمكن فصل ملف الجمارك عن ملف الرواتب والموازنة. التحليل.. إن تقديم البيانات الجمركية عبر أسيكودا هو التزام تقني، ويجب أن يقابله التزام مالي من بغداد بصرف استحقاقات الإقليم بانتظام، وبدون هذا الربط، سيتحول النظام إلى أداة لامتصاص موارد الإقليم دون ضمان حقوق موظفيه وهو ما يؤدي إلى انكماش اقتصادي خطير وتاريخياً، أثبت الإقليم مراراً حسن نيته في تنظيم التجارة ولم يمانع المبدأ يوماً بل هو من طالب بتنظيم السياسة الجمركية، ولكن العقدة  تكمن في التفاصيل التنفيذية التي يجب أن تضمن عدم تحويل التقنية إلى وسيلة لقطع الأرزاق أو الالتفاف على الاستحقاقات المالية الدستورية.

رابعاً/ الحلول الجذرية.. نحو فيدرالية رقمية عادلة

للخروج من حالة الانسداد تبرز قوة الإقليم في طرح حلول عقلانية.. اللامركزية التقنية.. إنشاء مركز بيانات مستقل في الإقليم يرتبط بمركز بغداد لتبادل المعلومات الرقابية مع احتفاظ الإقليم بحق الإدارة التشغيلية لمنافذه، التعرفة المرنة.. التمسك بالحق الدستوري في وضع تعرفة تفضيلية لدعم الصناعة الناشئة في الإقليم وحماية المنتج المحلي، الإدارة التشاركية.. تفعيل المجلس الأعلى للجمارك كجهة تنسيقية (اتحادية-إقليمية) تضمن روح الشراكة لا التبعية، إن إقليم كوردستان بتمسكه بحقوقه في ملف أسيكودا يحمي جوهر النظام الفيدرالي، إن التوحيد الحقيقي ليس في سلب الصلاحيات بل في توحيد الحقوق والرواتب قبل توحيد الضرائب والجباية.               على الرأي العام العراقي والكوردستاني أن يدرك أن قوة الإقليم الاقتصادية هي سند للدولة وأن سيادة الدستور تقتضي احترام الخصوصية المحلية، لن يكون أسيكودا جسراً للمستقبل إلا إذا بُني على أعمدة العدالة، فالسيادة الحقيقية تبدأ من كرامة المواطن وتأمين معيشته لا من دقة الجداول الجمركية المفرغة من روح الشراكة.