‏‏إذا كان خلع القناع الفردي يصدم المجتمع، فإن خلع أقنعة الفاعلين في المشهد السياسي العراقي يشبه زلزالاً يُعيد رسم خارطة الواقع بكامل صدمته ووضوحه.

‏في السياسة العراقية منذ عقود، والسنوات الممتدة بعد عام 2003 تحديداً، يرتدي الجميع أقنعة متقنة: قناع "الدفاع عن المكون"، قناع "الإصلاح ومحاربة الفساد"، وقناع "السيادة والوطنية الجامعة". لكن، ماذا لو استيقظ العراقيون يوماً ليقرأوا مذكرات صريحة ومباشرة صاغها القادة والفاعلون السياسيّون — محليين وإقليميين ودوليين كتبوا فيها ما يدور في كواليسهم المغلقة بلا تجميل ولا خطابات رنانة؟

‏1. الخطاب العلني مقابل الصفقة السرية

‏في العلن، تتصدر الشاشات الملاسنات الطائفية، وتُشحن الجماهير بشعارات الوجود والمظلومية والدفاع عن حقوق هذا المكون أو ذاك. لكن لو كُتب ما يدور في الصدور بلا قناع، لظهرت الحقيقة المجردة:

‏ صراعات النفوذ والمكتسبات: تتلاشى الشعارات العقائدية لتكشف عن معادلة بسيطة مبنية على "تقاسم الكعكة"، وإدارة اقتصاديات المحاصصة، ونفوذ الهيئات الاقتصادية للأحزاب.

‏ إدارة الأزمات كأداة بقاء: يتبين أن كثيراً من الأزمات الوطنية الصاخبة لم تكن سوى أوراق ضغط متبادلة لحساب التوازنات الشاغرة، تُفتح لتُغلق بمجرد التوصل إلى توافق خلف الكواليس.

‏2. اعترافات "الخير والشر" في القرار السياسي

‏السياسة بطبيعتها ليست مضماراً للفضيلة المطلقة، بل هي فن إدارة المصالح. وحين يكتب الساسة ما يدور بداخالهم بعري تام:

‏شر الضرورة واضطرار المنفعة: سيعترف البعض بأن بعض قراراتهم المترددة لم تكن عن قناعة، بل كانت خضوعاً لتوازنات القوى الإقليمية والدولية خوفاً من انهيار المنظومة بأكملها.

‏زيف "المصلحة العامة": سيتبين أن الكثير من مشاريع "البناء والخدمات" لم تُطرح بذاتها لخدمة المواطن، بل رُكبت كموجة انتخابية مبكرة للالتفاف على غضب الشارع وتفريغ الاحتقان الاجتماعي.

‏3. الصراحة المطلقة: بين الصدمة وبداية التعافي

‏لو كُتِب هذا الداخل السياسي العاري وشاهده المواطن العراقي، لحدث أمران متعاكسان:

‏ صدمة الوعي (سقوط الوهم): سيتعرى العقل السياسي من هالة "المنقذ" أو "الرمز"، ويسقط رأس المال العاطفي الذي تستنزفه القوى السياسية من قواعدها الشعبية.

‏ عقلنة المشهد: عندما يفهم المواطن أن اللعبة السياسية قائمة على المصالح الصريحة لا على الشعارات المقدسة، يتحول من "منساق عاطفياً" إلى "مفاوض براغماتي" يطالب بحقوقه بلغة الأرقام والخدمات والنتائج.

‏المظلة الأخيرة

‏إن القناع في السياسة العراقية لم يكن مجرد أداة للخداع، بل كان غالباً جداراً يحمي تلك القوى من مواجهة الجمهور بحقيقتها. لكن استمرار بناء الدولة على زيف الأقنعة يجعل البناء أسرع تهاوياً أمام أي هزة حقيقية.

‏إن كتابة الحقيقة العارية لما يدور في داخل أروقة القرار — بشرّها من جشع ونفوذ، وبخيرها المحتمل من محاولات احتواء الكوارث — هي الخطوة الأولى نحو سياسة راشدة، تُدار بالمكاشفة والمسؤولية الصريحة أمام شعب لم يعد ينطلي عليه تجميل الأقنعة.

‏

‏برأيك، هل تعتقد أن الجمهور العراقي أصبح اليوم يقرأ ما خلف الأقنعة السياسية بوعي تام، أم أن السحر العاطفي للخطاب السياسي لا يزال يؤدي دوره؟

‏