يعيش العراق اليوم واحدة من أكثر لحظاته الأمنية غموضاً واضطراباً منذ سنوات. فسماء البلاد لم تعد مجرد فضاء وطني، بل تحولت إلى ممر مفتوح لصواريخ عابرة ومسيرات مجهولة، وطائرات لا يُعرف على وجه الدقة من يتحكم بها. مشهد يتكرر ليلاً ونهاراً، يرسم صورة بلد تتقاطع فوقه حسابات القوى الإقليمية والدولية دون أن يجد المواطن تفسيراً واضحاً لما يجري.
ولم يعد الأمر مجرد خروقات جوية عابرة؛ فالتقارير المتداولة تشير إلى ضربات إسرائيلية طالت مواقع داخل مدن عراقية، في تصعيد غير مسبوق يضع مفهوم السيادة الوطنية أمام امتحان قاسٍ ويطرح سؤالاً مؤلماً: من يملك القرار فعلاً في سماء العراق وأرضه؟
لغز الإنزالات العسكرية
الحدث الأكثر إثارة للقلق يتمثل في مقاطع الفيديو التي انتشرت خلال الساعات الماضية والتي يُقال إنها توثق عمليات إنزال عسكري في مناطق مختلفة من العراق. وتذهب بعض الترجيحات إلى أن هذه العمليات نفذتها قوات أمريكية أو إسرائيلية.
إن صحّت هذه المعلومات، فإن ما يحدث لا يمكن وصفه بخرق أمني عابر، بل هو انتقال خطير من مرحلة الضربات الجوية إلى مرحلة الحضور العسكري المباشر على الأرض. وهذا تطور يحمل دلالات سياسية وعسكرية ثقيلة، تتجاوز حدود المواجهات غير المباشرة التي اعتادها العراق خلال السنوات الماضية.
صمت حكومي يثير القلق
لكن ما يضاعف القلق أكثر من هذه التطورات هو الصمت الحكومي شبه الكامل. فحتى اللحظة، لم يصدر توضيح رسمي شامل يفسر للرأي العام ما يحدث فعلاً.
وهنا تبدأ الأسئلة الثقيلة في التراكم:
هل تجري هذه العمليات بعلم الحكومة العراقية؟
هل هناك تفاهمات أو ترتيبات سرية خلف الأبواب المغلقة؟
أم أن الدولة فقدت فعلياً القدرة على التحكم ببعض مناطقها ومجالها الجوي؟
غياب الإجابات الواضحة يترك الساحة مفتوحة أمام الشائعات والتكهنات وهو أمر لا يقل خطورة عن الأحداث نفسها.
الشمال والجنوب… السيادة على المحك
في شمال العراق، تتحدث تقارير متزايدة عن توسع الحضور العسكري والاستخباراتي الأجنبي بما يتجاوز إطار "المهام الاستشارية". أما في الوسط والجنوب، فإن تداول أخبار عن عمليات إنزال قرب مدن مثل النجف والسماوة يثير صدمة حقيقية، لأن هذه المناطق ظلت لعقود بعيدة نسبياً عن مثل هذه التطورات.
إن سيادة أي دولة لا تُقاس بعدد الخطابات أو البيانات، بل بقدرتها على حماية أرضها وسماءها. والسيادة التي لا تُصان بمواقف واضحة وإجراءات حازمة تتحول بمرور الوقت إلى مجرد شعار سياسي يردد في المؤتمرات.
لحظة المصارحة
اليوم يقف العراق أمام لحظة تتطلب وضوحاً لا لبس فيه. فالشعب العراقي لا يطلب المستحيل، بل يطلب حقه الطبيعي في معرفة الحقيقة.
من حق المواطن أن يعرف: من الذي يتحرك فوق أرضه؟
ومن يخترق سماء بلده؟
ولماذا يحدث كل ذلك دون تفسير واضح؟
إن المرحلة الراهنة لا تحتمل الرمادية أو البيانات الإنشائية.
المطلوب اليوم ببساطة هو:
كشف الحقيقة للرأي العام دون مواربة.
تحديد موقف وطني واضح يحفظ كرامة الدولة.
الإجابة الصريحة عن السؤال الذي يتردد في الشارع العراقي:
هل ما زالت الدولة العراقية تمسك بزمام السيادة، أم أن السيادة نفسها أصبحت مجرد ذكرى في أرشيف السياسة؟