فجر الأربعاء لم يكن يوماً عادياً، بل كان ليلة ارتدت فيها القلوب قميص الوطن وخفقت على إيقاع حلمٍ طال انتظاره. ملايين العراقيين لم يناموا، عيونهم معلقة بشاشةٍ تُبشّر أو تحبط، وأرواحهم تركض مع كل كرةٍ يلمسها أسود الرافدين في مواجهتهم المصيرية أمام المنتخب البوليفي ضمن ملحق كأس العالم 2026.
وبفضل الله، ثم بعزيمة اللاعبين، تحقق الحلم. فاز أسود الرافدين، وتأهل العراق إلى كأس العالم، لتنفجر الشوارع فرحاً، من البصرة إلى الموصل ومن بغداد إلى أقصى المنافي. كان مشهداً يُشبه العراق الذي نحلم به دائماً… عراقٌ بلا انقسامات، بلا اصطفافات، عراقٌ يلتف حول علمٍ واحد وصوتٍ واحد.
الجماهير كانت اللاعب رقم واحد، سواء من سافر إلى المكسيك ليهتف من قلب المدرجات، أو من بقي خلف الشاشات، يصرخ، يدعو ويبكي فرحاً مع صافرة النهاية. الجميع شارك في هذا الإنجاز، الجميع كان جزءاً من هذه اللحظة التاريخية.
لكن وكأن الفرح في العراق لا يسمح له أن يكتمل…
في خضم هذه النشوة، جاءت تغريدة من اللاعب، صاحب الهدف الذي قاد العراق إلى المونديال، لتقلب المشهد رأساً على عقب. تغريدةٌ لم تكن مجرد كلمات عابرة، بل كانت شرارة أعادت الانقسام إلى قلوبٍ كانت قبل دقائق فقط موحّدة.
لست متأكداً إن كان أيمن حسين يقصد ما قاله أم لا، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: لماذا؟
أنت لاعب في المنتخب الوطني، تمثل كل العراقيين، لا فئة دون أخرى. القميص الذي ترتديه ليس ملكك وحدك، بل هو رمز لوطنٍ كامل، بتنوعه، باختلافاته، حتى بتناقضاته.
العراق ليس صوتاً واحداً، بل هو مجموعة أصوات، لكنه حين يتعلق الأمر بالمنتخب، يصبح لحناً واحداً… فلماذا تُدخل النشاز إلى هذا اللحن؟
حين وصفت جزءاً من المجتمع بتلك الكلمة، لم تكن تستهدف أشخاصاً بعينهم، بل جرحت شريحة من جمهورٍ كان بالأمس يهتف لك ويضعك في خانة الأبطال.
سؤالي لك، بكلمة واحدة فقط: لماذا؟
لماذا تدخل السياسة في لحظة كان يفترض أن تكون للوطن فقط؟
لماذا تُهين من يفترض أنهم جمهورك؟
ولماذا تُفرّق في وقتٍ نحن بأمسّ الحاجة فيه إلى أن نجتمع؟
هذه التغريدة لم تمر مرور الكرام، بل كلّفتك الكثير من محبة الناس، خاصة أولئك الذين وقفوا معك في أصعب مراحل مسيرتك.
كرة القدم وُجدت لتوحّد، لا لتُقسّم…
والأبطال الحقيقيون لا يُسجّلون الأهداف في الملعب فقط، بل يحافظون على قلوب جماهيرهم خارجه أيضاً.
ما حدث ليس مجرد زلّة، بل درس… لك، ولكل من يحمل قميص العراق:
أن الوطن أكبر من أي رأي، وأوسع من أي خلاف، وأغلى من أن يُختصر في تغريدة.