في مثل هذا اليوم من العام الماضي، غاب قاسم سنجري بهدوء لم يشبه حضوره أبداً، رحل فجأة، كما تفعل الأخبار العاجلة التي لا تترك للصحفي وقتاً لالتقاط أنفاسه، تاركاً خلفه صدمة لا تزال عالقة في ممرات الذاكرة، وفي زوايا غرفة التحرير التي كان يعرف خفاياها جيداً.

لم نستوعب الخبر في ساعته الأولى، توالت الاتصالات بيننا، ومع المقربين منه، بحثاً عن نفي يبدد الشائعة، أو خطأ في الاسم، أو أي تفصيل يفند الخبر، كان الأمر مفاجئاً إلى حد يصعب تصديقه، حتى بدأت كلمات التعزية تتكاثر على مواقع التواصل، واحدة تلو الأخرى، مؤكدة ما لم نكن نريد الإقرار به، يومها ساد غرفة الأخبار هدوء غير مألوف، وكأن الكلام نفسه فقد قدرته على أن يكون عزاء، وبقي الفراغ وحده يتكلم.

لم يكن قاسم مجرد محرر يؤدي واجبه اليومي، بل كان صحفياً يمتلك حاسة خاصة لالتقاط الخبر، كأن لديه مجسات خفية ترصد ما لا يراه الآخرون، فكان سريع الالتقاط، حاد الملاحظة، يقرأ ما بين السطور قبل أن تتحول إلى عناوين، تلك المهارة لم تكن صفة مهنية فحسب، بل جزءاً من شخصيته التي لا تهدأ، والتي كانت تسابق الوقت لإنجاز كل شيء.

يبدو قاسم هادئاً في أغلب الأوقات، لكن ما إن يبدأ نقاش حول عنوان أو صياغة خبر، حتى تظهر عصبيته المعهودة، تلك التي يعرفها جميع الزملاء، والتي لم تكن سوى وجه آخر لحرصه على الدقة والحيادية والمهنية في تناول المادة الصحفية.

الغريب أن حضوره لم يكن يحتاج إلى مساحة ليملأها، كان يكفي أن يدخل في نقاش حتى يشعر الجميع بثقله المهني، رأيه لم يكن الأعلى صوتاً دائماً، لكنه كان الأكثر إصراراً، والأشد التصاقاً بالتفاصيل الصغيرة التي يصنع منها الخبر الجيد.

كنت أسمع باسمه قبل أن

ألتقيه في مؤسسة شفق نيوز، فهناك، بين ضغط العناوين العاجلة وتزاحم الأخبار، اكتشفت أن الاسم الذي يتردد في غرفة التحرير ليس مجرد توقيع على خبر، بل إنسان طيب القلب، متوتر أحياناً، عصبي في لحظات العمل، لكنه لا يحمل في داخله سوى حرص صادق على المهنة وعلى زملائه.

كم تبادلنا النقاشات والمشاكسات، وكم ضحكنا رغم ضغط العمل، كان من طيبة قلبه أنه حتى حين نختلف أو يحتد النقاش، لا يترك الأمر معلقاً، كثيراً ما كان الهاتف يرن في ساعة متأخرة من الليل، أو تصل بصمة صوتية، بكلمات رضا ومحبة، كأنها اعتذار غير معلن، أو مصافحة مؤجلة بعد نقاش طويل تخللته عصبيته المفرطة في غرفة الأخبار.

رحيل قاسم أعاد إلى الأذهان حقيقة نعرفها جيداً و ننساها جيداً: أن الدنيا التي نلهث خلف أخبارها، ونستهلك أعصابنا في تفاصيلها، أقصر بكثير مما نظن، فننشغل بهمومها وصراعاتها، ثم تفاجئنا بحقيقتها فجأة، ثم نكتشف أنها لا تستحق كل هذا العناء.

في الذكرى الأولى لرحيله، لا نتذكر قاسم كخبر مؤلم في أرشيف الوكالة، بل كزميل كان يملأ المكان حركة وصوتاً وحضوراً.

نتذكر محرراً ذكياً، وصحفياً شغوفاً، وصديقاً طيباً محباً، وأباً وجداً حريصاً على عائلته كما كان حريصاً على كل خبر يمر بين يديه.

رحمك الله يا قاسم، وألهم أهلك ومحبيك الصبر. 

سنة مرت، لكن اسمك ما زال يتردد في غرفة الأخبار، كأنك لم تغادرها.