لم تكن أوروبا التي خرجت من رماد حربين عالميتين تتخيل أن يأتي يوم تعود فيه إلى الحديث عن " الردع النووي " بوصفه ضرورة وجودية لا مجرد خيار عسكري ، فالقارة التي شيدت مشروعها الحديث على أنقاض الدبابات وأرادت أن تستبدل صوت المدافع بضجيج المصانع والجامعات والأسواق تجد نفسها اليوم أمام سؤال قديم بملامح جديدة وهو : هل يمكن للسلام أن يعيش من دون ظل القوة ؟
إن النقاش الدائر حول انخراط " ألمانيا " في " المظلة النووية الفرنسية " لا يتعلق في جوهره بالصواريخ والرؤوس النووية بقدر ما يتعلق بالتحولات العميقة التي أصابت العقل الأوروبي نفسه ، فهذه القارة التي جعلت من الديمقراطية والتكامل الاقتصادي عقيدة سياسية بدأت تكتشف أن التاريخ لا ينسى بسهولة ، وأن أشباح الحرب الباردة لا تزال تتجول في أروقة القصور الرئاسية وغرف التخطيط العسكري ، فلقد أمضت ألمانيا عقودا طويلة وهي تحمل إرث الماضي فوق كتفيها ، إرث الهزيمة ، وذاكرة الخراب ، والشعور الأخلاقي الثقيل تجاه كل ما يمت بصلة إلى التسلح ، حيث كانت برلين تدرك أن قوتها الحقيقية لا تكمن في امتلاك السلاح بل في قدرتها على تحويل الاقتصاد إلى نفوذ والتجارة إلى لغة عالمية جديدة ، غير أن الحرب " الروسية الأوكرانية " والتصدعات التي أصابت الثقة الأوروبية بالمظلة الأمريكية أعادت إلى السطح أسئلة ظنت القارة أنها دفنتها مع سقوط " جدار برلين "
ففي لحظات الخوف الكبرى تتغير الفلسفات وتتبدل الأولويات ، وما كان يعد بالأمس إرثا خطيرا أصبح اليوم يوصف بأنه ضرورة استراتيجية ، لتعود أوروبا بذلك إلى مفردات الردع والتوازنات النووية وكأنها تستعيد قاموسا قديما أخفته طويلا خلف شعارات " السلام والتعاون " ، لكن المفارقة الأكثر قسوة تكمن في أن البشرية التي بلغت ذروة تقدمها العلمي والتكنولوجي ما زالت عاجزة عن بناء أمنها خارج منطق الفناء المتبادل ، فالسلاح النووي الذي ولد من رحم الفيزياء الحديثة لم يصبح أداة للحرب بقدر ما تحول إلى فلسفة كاملة تقوم على فكرة مرعبة وهي : الحفاظ على الحياة عبر امتلاك القدرة على إنهائها ، فالردع النووي ليس مجرد ترسانة من الصواريخ والغواصات ، إنه اعتراف ضمني بأن السلام العالمي لا يقوم دائما على الثقة بل على الخوف ، خوف الدول من بعضها وخوف الإنسان من الإنسان وخوف الحضارة من أن تسقط فجأة في هاوية صنعتها بيديها ، ولذلك فإن كل خطوة جديدة نحو توسيع " المظلة النووية " ليست حدثا عسكريا عابرا بل شهادة على أزمة أعمق تعيشها البشرية ، أزمة البحث عن الأمان في عالم لم يعد يثق إلا بالقوة
وفي مكان ما من المشهد الأوروبي تقف " فرنسا " القوة النووية الوحيدة في الاتحاد الأوروبي ، محاولة أن ترسم لنفسها دورا جديدا في قارة مضطربة ، أما " ألمانيا " التي كانت يوما رمزا للتوبة التاريخية فتجد نفسها مضطرة إلى إعادة تعريف علاقتها بالقوة والردع والمصالح الجيوسياسية ، وبين باريس وبرلين لا يدور النقاش حول القنابل وحدها بل حول مستقبل أوروبا نفسها : هل ستظل مشروعا سياسيا واقتصاديا ، أم أنها تتجه لتصبح قوة عسكرية مستقلة تعيد تشكيل توازنات العالم ؟ ، ومن هنا تأتي الإجابة الأكثر إيلاما في حقيقة أن الإنسان بعد كل هذه القرون من الفلسفة والثقافة والتقدم ما زال يبحث عن الطمأنينة في أكثر أدواته قدرة على التدمير ، وكأن الحضارة الحديثة رغم ما أنجزته من معجزات لم تتجاوز بعد غريزتها الأولى ، غريزة " البقاء بأي ثمن " ، لتبدو أوروبا اليوم بذلك وهي تقف على تخوم مرحلة جديدة ممزقة بين ذاكرة الحرب وحلم السلام ، وبين أخلاقيات الماضي وضرورات الحاضر ، ومن تلك المسافة الضيقة بين الخوف والقوة يكتب العالم فصلا آخر من حكايته القديمة وهي : حكاية الإنسان الذي لم يتعلم بعد كيف يصنع الأمن من دون أن يلوح في الأفق شبح النهاية .