سيادة رئيس الوزراء علي الزيدي,

توليت المسؤولية في لحظة فارقة، وبصفتك أصغر رئيس وزراء في تاريخ العراق الحديث، فإن الآمال المعلقة عليك تتجاوز الأطر التقليدية لإدارة الأزمات. إن التحدي الحقيقي الذي يواجه مشروعك اليوم لا يكمن في نيل الثقة البرلمانية، بل في القدرة على تحويل هذا الدعم السياسي المؤقت إلى استقرار مؤسسي مستدام.

التبعية والارتباطات: قراءة في خريطة التوازنات

شاهدنا كثيرا من  القراءات والتقارير الإخبارية التي بينت أن مجيئك لم يكن وليد صدفة، بل جاء كنتاج لتقاطع مصالح دولية وإقليمية فرضتها لغة البرجماتية التي تمتاز بها كشخصية قادمة من قطاع المال والأعمال.

1. التوازن الإقليمي والدولي

حظيت حكومة الزيدي بترتيب نادر من نوعه:

الدعم الأمريكي: برز ترحيب واضح من واشنطن وإدارة ترامب بخطواتك، خاصة بعد انحسار فرص الوجوه التقليدية وتراجع خيارات الإطار التنسيقي نحو تبني قيادة شابة قادرة على التحدث بلغة التنمية والاقتصاد.

الموقف الإيراني: من جهة أخرى، حظيت بالقبول من الجانب الإيراني والقوى المحلية الحليفة له، التي رأت في خلفيتك الاقتصادية مخرجاً مناسباً لتخفيف الاحتقان الدولي وتجنب العقوبات الاقتصادية الخانقة.

2. التبعية للداخل: معادلة "حصر السلاح"

الارتباط الأهم الذي يحدد مصيرك اليوم هو علاقتك بالقوى السياسية التي منحتك التفويض. لقد نالت خطوتك الشجاعة لتأسيس "المجلس الأعلى للنزاهة" ومساعيك لحصر السلاح بيد الدولة دعماً غير مسبوق:

حظيت بتأييد صريح من زعيم التيار الوطني الشيعي مقتدى الصدر الذي بادر بإعلان انفكاك "سرايا السلام" وتحويلها إلى مؤسسات مدنية.

نلت تفويضاً لافتاً من "الإطار التنسيقي" وقوى مثل "عصائب أهل الحق" التي أعلنت الشروع في فك ارتباط جناحها العسكري بهيئة الحشد الشعبي تماشياً مع رؤيتك.

حقيقة واقعية: هذا الدعم ليس شيكاً على بياض؛ بل هو مناورة سياسية حذرة من القوى التقليدية للاحتفاظ بتمثيلها الحكومي وتفادي الصدام المباشر مع الضغوط الدولية.

هل تتمكن من عبور هذه الأزمة؟

إن الإجابة عن هذا السؤال تتوقف على كيفية إدارتك لملفين استراتيجيين يمثلان عنق الزجاجة لحكومتك الحالية:

أولاً: أزمة الشغور الوزاري

رغم نيلك الثقة، إلا أن بقاء 9 وزارات شاغرة (من أصل 23) ومن بينها حقائب سيادية كالدفاع والداخلية والتخطيط - يشل قدرة حكومتك على الانطلاق الفعلي. إن استمرار المحاصصة والتباينات بين الكتل لتسمية وزراء أصيلين يضعف موقفك التنفيذي ويجعلك تدير الدولة "بالوكالة"، وهو أول اختبار حقيقي لمدى استقلاليتك وقدرتك على فرض إرادتك السياسية.

ثانياً: فك الارتباط وتحويل السلاح إلى تنمية

التحدي الأكبر هو تحويل البيانات السياسية لقادة الفصائل بشأن "تسليم السلاح" إلى واقع ملموس على الأرض. إن نجاحك في جعل قرار الحرب والسلم بيد الدولة حصراً سيعطي الضوء الأخضر لتدفق الاستثمارات الدولية التي يطمح لها مشروعك الاقتصادي. أما الفشل في ذلك، فيعني العودة إلى مربع عدم الاستقرار وضياع فرصة النهضة الاقتصادية.

عراق ما بعد الزيدي: المآلات والسيناريوهات

إن الحقبة التي ستلي إدارتك للعراق تعتمد كلياً على المآل الذي ستوفره  للبلاد خلال الأشهر المقبلة. التحليلات تشير إلى مسارين لا ثالث لهما:

السيناريو الأول: دولة التنمية والمؤسسات. نجاحك في استكمال الكابينة الوزارية بكفاءات، وفرض سلطة القانون في ملف حصر السلاح، واستغلال علاقاتك الممتدة من بغداد إلى أربيل لتصفير الأزمات.

السيناريو الثاني: العودة إلى الانسداد السياسي. رضوخك لضغوط المحاصصة في الحقائب الشاغرة، وبقاء خطة مكافحة الفساد شعاراً دون المساس برؤوس الأموال الكبيرة، مما يؤدي إلى فقدان الغطاء الدولي وعودة الشارع للاحتجاج والخذلان.

سيادة الرئيس، إن قراءات المشهد تؤكد أنك تملك الأدوات البرجماتية، والقبول الإقليمي، والدعم الداخلي اللازم للعبور. لكن التاريخ القريب في العراق يعلمنا أن التفاصيل تكمن دائماً في مدى قدرة رئيس الوزراء على الصمود أمام منظومات المصالح العميقة حين يبدأ التطبيق الفعلي للإصلاح.