في ذي قار لم تعد أزمة الكهرباء خبراً طارئاً، بل تحوّلت إلى فصلٍ يومي ثقيل يشبه الغبار الذي يعلو وجوه المدن المنسية. الناس هنا لا يسألون: “متى تنقطع الكهرباء؟” بل يسألون بدهشة ساخرة: “متى تأتي؟”.

مدينة كاملة تعيش على إيقاع المولدات وعلى صبر استهلكته السنوات، بينما الحكومة تتحدث بلغة المشاريع والمواطن يعيش بلغة العطش والحر والانتظار.

ما تشهده ذي قار هذه الأيام لا يمكن اختصاره بانقطاع كهرباء فقط، لأن المسألة أصبحت أكبر من “خدمة متعثرة”. نحن أمام محافظة تكاد تختنق:

كهرباء غائبة، أزمة وقود مفتعلة، ماء لا يصل إلى كثير من المناطق بشكل طبيعي وخدمات تتراجع عاماً بعد آخر حتى أصبح المواطن يشعر أن مدينته تُدار بعقلية الإهمال المزمن.

ذي قار، التي كانت دائماً من أكثر المحافظات تضحية وفقراً وصبراً، لم تحصل حتى الآن على ما يوازي حجم ما قدمته.

ومن المؤلم أن الناس لم تعد تطالب بالرفاهية أو المشاريع العملاقة، بل أصبحت تطالب بأبسط حقوق الإنسان: ساعة كهرباء مستقرة، ماء صالح للشرب، شارع لا يغرق بالمطر ولا يختنق بالغبار.

لكن السؤال الحقيقي الذي يتكرر في الشارع اليوم:

أين نواب ذي قار؟

ثمانية عشر نائباً تحت قبة البرلمان، رقم يفترض أن يجعل صوت المحافظة مدوياً داخل بغداد، لكن الواقع يقول إن ذي قار تبدو بلا ممثلين حقيقيين.

لا استجوابات حقيقية، لا مواقف حاسمة، لا ضغوط سياسية واضحة وكأن المحافظة خارج حسابات الدولة أو أن معاناة أهلها أصبحت أمراً اعتيادياً لا يستحق الوقوف عنده.

والحقيقة التي يعرفها الجميع أن كثيراً من النواب لم يعودوا يمثلون ناخبيهم بقدر ما يمثلون كتلهم السياسية.

أوامرهم تأتي من الاعلى، من رؤساء الأحزاب والتحالفات، لا من الشارع الذي منحهم الأصوات. لذلك تجدهم يتحركون بحماس في القضايا التي تخص صراعات السياسة، لكنهم يصابون بالصمت حين يتعلق الأمر بحر ذي قار أو عطش أطفالها أو اختناق مستشفياتها.

كان الناس يعتقدون أن النائب قد يغضب إذا أُهينت مدينته، أو إذا تعرض أبناء عشيرته وناخبوه للظلم، أو إذا وصلت الخدمات إلى هذا المستوى الكارثي. لكن ما يحصل اليوم يثبت أن الكرسي السياسي في العراق قادر على تبريد أكثر المشاعر اشتعالاً.

نحن الآن في الشهر الخامس من السنة، ودرجات الحرارة تجاوزت الـ35 مئوية، بينما الكهرباء لا تزور البيوت إلا لساعات قليلة، أحياناً أقل من ساعتين تشغيل مقابل أربع ساعات أو أكثر من الإطفاء.

أما المسؤولون والنواب، فهم يعيشون في عالم آخر؛ مولدات ضخمة، اشتراكات مؤمنة، بيوت لا تعرف معنى الاختناق داخل غرفة تحولت إلى فرنٍ مغلق.

المشكلة ليست فقط في غياب الكهرباء، بل في غياب الإحساس.

حين يفقد المسؤول القدرة على الشعور بمعاناة الناس، يتحول المنصب إلى جدار عازل بينه وبين الحقيقة.

اليوم، المواطن في ذي قار لا يريد خطابات ولا وعوداً انتخابية جديدة.

يريد فقط أن يرى نائباً يقف معه فعلاً، لا صورةً على لافتة انتخابية.

يريد أن يسمع صوتاً يقول للحكومة إن هذه المحافظة لا يمكن أن تبقى رهينة الإهمال إلى الأبد.

وإذا كنتم لا تستطيعون انتزاع حق ذي قار من بغداد ولا تملكون الجرأة على الوقوف بوجه من أوصلكم إلى هذه المناصب، فعلى الأقل قدّموا استقالاتكم أو علّقوا عضويتكم مؤقتاً، حتى يشعر المواطن أن هناك من يتألم معه، لا من يشاهد معاناته من خلف زجاج السيارات المظللة وبرودة المولدات العملاقة. لأن الصمت في زمن الانهيار لم يعد حياداً… بل شراكة كاملة في الخذلان