حين يغيب الضمير العلمي، يتحول الاشراف البحثي من "صناعة للعقول" إلى "مقبرة للطموح". فما نراه اليوم في بعض الأوساط الأكاديمية ليس مجرد تقصير اداري، بل هو خيانة صريحة للأمانة العلمية، واعتداء على مستقبل أجيال كاملة.
أن تجد مشرفاً لا يقرأ، لا يتابع، ولا يوجه، فذلك كارثة بكل المقاييس. فلسفة الاشراف لا تقوم على رمي الطالب في عرض البحر ثم القول: "أنت باحث، تصرّف!". الباحث المبتدئ يحتاج إلى "مشرف حقيقي" يختصر عليه المسافات، لا الى موظف يكتفي بالتوقيع على الأوراق الرسمية في نهاية العام.
ومن أعجب ما نشهده في الأروقة الجامعية: مشرف يطرح موضوعاً لا يفقه فيه شيئاً، أو يصرّ على الإشراف في تخصص بعيد عن مجاله الدقيق. والنتيجة؟
تخبط منهجي: الطالب يسير في ظلام دامس، والمشرف لا يملك "مصباح المعرفة" لينير له الطريق.
إجابات معلبة: حين يُسأل المشرف عن جزئية علمية، يلوذ بعبارته الشهيرة "هذا شغلك أنت كباحث"، وهي في حقيقتها ستار يخفي جهله وعجزه.
الطالب ليس رقماً في سجل إداري، بل إنسان يستهلك وقته وماله وأعصابه. حين يضيّع المشرف سنوات من عمر الطالب بسبب إهماله، فهو لا يدمّر بحثاً فحسب، بل ينسف "مشروع حياة". التكاليف المادية المرهقة، والضغط النفسي القاتل، هي الثمن الذي يدفعه الطلاب مقابل لقب "مشرف" يحمله من لا يستحقه.
رسالتي إلى زملائي في الميدان: الإشراف ليس منصباً شكلياً، بل هو أبوة علمية ومسؤولية أخلاقية. فإذا لم تكن قادراً على القراءة والتدقيق والتوجيه، فاعتذر بشرف، ولا تتحول إلى "معول هدم" في حياة شاب وضع ثقته ومستقبله العلمي بين يديك.
* بروفسور متمرس ومستشار دولي