المعادلة التي تصوغها العبارة: (انت اخي… لكن يحق لي ان اسبي نساءك، ولا يحق لك ان تسبي نسائي الحرات، ويحق لي اتخاذ نسائك إماء وجواري، لكن لا يحق لك ان تتزوج من الحرات)؛ تكشف جوهر توتر تاريخي عميق بين خطاب الاخوة الدينية وبنية قانونية اجتماعية كرست تفاوتا حادا في الجسد والحرية والكرامة؛ هذا التوتر ليس مجرد ارتباك في الفهم، بل هو هيكل بنيوي قام على تحويل الانتماء الديني الى غطاء للهيمنة العرقية والسياسية، حيث ظل جسد الاخر، ولا سيما غير العربي، ساحة مباحة لتكريس منطق الغلبة تحت مسمى ملك اليمين.

على مستوى الخطاب التأسيسي، يفترض ان يكون الانتماء الديني اساس التكافؤ، غير ان البنية الفقهية التي تشكلت تاريخيا حول مؤسسة الرق والتمييز بين الحر والموالي والعبد، والتعريب الممنهج للحرية كما في المبدأ العملي الذي مفاده " ليقبح بالعرب أن يملك بعضهم بعضا، وقد وسع الله، وفتح الاعاجم "؛ " اني كرهت ان يصير السبي سنة على العرب"، بمعنى لاسباء على عربي ، جعلت الاخوة علاقة غير متكافئة؛ لقد ساهمت مثل هذه التوجيهات في تشكل اتجاه فقهي يضيق او يمنع سبي العربية المسلمة، بينما يترك باب السبي مفتوحا على الاعاجم؛ وبذلك ارتبطت الحرية فعليا بالانتماء العربي، مقابل قابلية غير العربي لان يكون موضوعا مشروعا للاسترقاق داخل منظومة تعلن الاخوة من حيث المبدأ.

وهنا يجب التمييز بشكل حاسم بين قداسة الرسالة في جوهرها الاخلاقي الداعي للعدل، وبين تاريخية الوسيلة التي اعتمدها الفقهاء لادارة واقعهم؛ فالفقه الاسلامي الكلاسيكي لم يتعامل مع الرق كمعطى ديني ثابت، بل كاداة زمنية لادارة القوة؛ حيث تم تقنين امتياز الرجل الحر في الاستمتاع بالمملوكة ضمن سياق قانون حرب عالمي قديم كان يعامل البشر كغنائم؛ ان حصر هذه الاحكام في سياقها التاريخي هو حماية للدين من التوظيف المشوه، اذ ان استمرار التعامل مع هذه الوسائل التاريخية كاحكام مقدسة عابرة للزمان هو الذي خلق الثغرة التي تتسلل منها التنظيمات المتطرفة لتبرير جرائمها.

ان سبي النساء وتحويلهن الى ملكية لم يكن فعلا هامشيا، بل ممارسة مشروعة ادمجت في صلب القانون بوصفها من نتائج الحرب؛ هذا التقسيم العرقي والطبقي، الذي جعل زواج الحر من حرة هو النموذج الاعلى، واعتبر زواج الحر من امة تنزلا، كرس فجوة لا تمحوها الاخوة المعلنة" لأ منعن فروج ذوي الاحساب، إلا من الاكفاء، قال: قلت وما الاكفاء، قال في الاحساب "؛ بل حولها الى تلخيص سياسي ساخر لبنية لا تساوي بين الاجساد" أن امرأة حرة تزوجت عبدها، فبلغ أمرها عمر بن الخطاب، فرفض إقرار هذا الزواج، ومنعها من الزواج بعد ذلك من رجل حر، وأمر العبد أن لا يقربها" ؛ وهي واقعة كشفت، مبكراً، حساسية الفقه من محاولة قلب تراتبية الحر/العبد في مؤسسة النكاح؛ ان ما تمارسه الجماعات الارهابية في العصر الحديث ليس خروجا شاذا فحسب، بل هو استدعاء فج لهذه المدونة الفقهية في سياق اكثر عنفا، في قراءتها الحرفية غير التاريخية حيث جرى بيع واسترقاق النساء تحت غطاء فتاوى تستحضر فقه السبي وملك اليمين، وتحول جسد المرأة الى غنيمة مشروعة لمن يملك السلاح وحق تعريف الايمان.

ما تقوم به هذه المنظومات المتطرفة هو تفكيك قواعد الماضي واستخدامها كادوات للجريمة، الامر الذي يكشف ان البنية الفقهية غير المراجعة تظل قابلة للاستدعاء كقنبلة موقوتة. لذلك لا يكفي تبرئة التاريخ، بل تفرض اللحظة الراهنة مساءلة جذرية لتلك القواعد التي جعلت السيادة على جسد الاخر حقا مكتسبا بالغلبة والانتماء.

لا يمكن بناء اخوة حقيقية ما لم يتم التحرر من ارث السيادة على الاجساد. الحل يبدأ بالتمييز بين قيم الدين المتعالية وبين الاجتهادات البشرية التي ولدت لخدمة صراعات العصور الوسطى؛ان تمزيق عقد الاذعان التاريخي وصياغة عقد انساني جديد يعترف بتاريخية تلك الاحكام ويضعها في موضع المساءلة، هو السبيل الوحيد لاعلان ان كرامة الانسان ومساواته هي المبدأ المؤسس الذي لا يقبل النسخ؛ عندها فقط يمكن للاخوة ان تصبح فعلا انسانيا متكافئا، لا يشتق من ملكية ولا من غلبة.