في بلدٍ يُفترض أن ترتوي أرضه من عذوبة دجلة والفرات لتُزهر حباً وحياة، ثمة جفافٌ من نوع آخر يضرب القلوب. جفافٌ مرعب يأكل براءة الصغار في عتمة الليل، وأحياناً... في رابعة النهار.

هنا، حيث تُنسج الحكايات التاريخية عن الغيرة العراقيّة والشهامة، تولد خلف الأبواب المغلقة غصّات يندى لها جبين الإنسانية؛ حكايات أطفالٍ غُصبت طفولتهم، واُنتزعت براءتهم عنوة، ليدفنوا أحياءً في مقابر من الصمت والخوف.

ولم تعد هذه الحكايات مجرد مخاوف تتردد في الغرف المغلقة، بل تحولت قبل أيام قلائل في العاصمة بغداد إلى فاجعة حية زلزلت الضمير الإنساني. أي مستنقع من الخسة والوحشية ذلك الذي يدفع كائناً يُحسب على البشر، ليفترس طفلتين بعمر الزهور"أربع سنوات فقط"لم تعرفا من الدنيا سوى أحضان أمهاتهما؟

ولم تكتفِ الوحشية بتمزيق جسديهما الغضين، بل تكللت الدناءة برمي الطفلتين في أنابيب الصرف الصحي! وكأن هذا المسخ أراد أن يطمس معالم جريمته عبر إلقاء أطهر ما في الأرض في قاع القذارة، تاركاً إياهما للموت في عتمة المجاري، ليعكس بدقة قذارة روحه وظلمة قلبه.

تخيل طفلة في الرابعة من عمرها، كل همّها في هذه الحياة أن تركض خلف دمية ملونة، أو تختبئ خلف الباب تمازح والديها. هؤلاء الصغار، يُسحبون فجأة وبعنف من عالم الأحلام الوردية ليوضعوا في مواجهة وحش بشري غادر.

في تلك اللحظة المشؤومة، لا تنتهي الطفولة فحسب، بل تُذبح. تنطلق صرخة مكتومة يبتلعها الخوف والتهديد، وينتهي الاعتداء الجسدي ليبدأ العذاب الأزلي

جسد صغير ومستباح ينظر إليه الطفل كأنه غريب عنه شعور بقذارة فرُضت عليه ولم يقترفها، وبذنبٍ هو ضحيته الأولى والأخيرة.

إن أقسى ما في جريمة اغتصاب الأطفال ليس الألم الجسدي الذي يزول مع الوقت، بل تلك الندبة غير المرئية التي تُحفر عميقاً في الروح... وتلك اللحظات المرعبة التي قضاها الضحايا في ظلمة الصرف الصحي تصارع الموت

الطفل الذي كان يرى العالم مكاناً آمناً ومرحاً، يصبح كل وجه يلتفت إليه مصدر رعب وتوجس. تنطفئ لمعة العينين، ويحل محلها ذهول دائم، وانعزال يعجز أكبر الأطباء النفسيين عن فك شفرات.

في مجتمعاتنا، غالباً ما تُغلف هذه القضايا برداء "العار" الزائف، في مفارقة مريرة تُشعر الضحية وأهله بالخزي وكأنهم هم الجناة! يُجبر الأطفال في كثير من الأحيان على ابتلاع غصتهم لحماية ما يُسمى "سمعة العائلة"، ليموتوا في اليوم ألف مرة خلف قضبان الكتمان.

"أمي، هل أنا سيء؟ لماذا فعل بي ذلك؟ ولماذا رموني في الظلام؟"

سؤالٌ عفوي وبسيط يطرحه طفلٌ ضحية، كفيلٌ بأن يهز عرش الإنسانية ويهدم جدران الصمت، لكنه مع الأسف غالباً ما يلقى صدى بارداً في غرف الخوف والإنكار وتدابير "الستر" التي تحمي المجرم وتقتل الضحية مرتين.

إن القوانين وحدها، على أهميتها القصوى ومطالبتنا بتشديدها إلى حد الإعدام العلني لهؤلاء المسوخ، لا تكفي أبداً ما لم تتغير النظرة المجتمعية القاصرة، وما لم نتوقف عن التستر.

كم من طفل اغتُصب وماتت قضيته (ونفسيته) لأن العائلة آثرت الكتمان خوفاً من كلام الناس؟

وكم من ذئب بشري يسير اليوم في شوارعنا مطمئناً، واثقاً من أن ضحيته لن تتكلم وأن المجتمع سيحمي سرّه؟

إن حادثة طفلتي بغداد هي جرس إنذار أخير، صرخة ضمير بوجه كل أب، وأم، ومسؤول، ومربٍّ، وقاضٍ. الأطفال أمانة الله في أرضه، وحمايتهم والقصاص العادل والسريع من هذه الوحوش البشرية هو خط الدفاع الأول والأخير عن شرف ومستقبل هذا الوطن.

كل طفل يُنتهك في هذا الوطن هو طعنة في صدر الإنسانية جمعاء. دعونا لا نكون شركاء في الجريمة بصمتنا، ودعونا نطالب بأعلى صوت بإنزال أشد العقوبات ليكون هذا الوحش عبرة لغيره. دعونا نكون الصوت لمن لا صوت له، والدرع الحامي لتلك الأجساد الغضة والأرواح الطاهرة، عسى أن تعود الابتسامة يوماً لوجوهٍ غضة لم تذق من الحياة سوى علقم الفجيعة