بعد إعلان الحكومة العراقية عن خفض سعر صرف عملتنا الوطنية (الدينار) في قرار كارثي غير مدروس، هل سنكون أمام وضع مشوّه اقتصادياً واجتماعياً على غرار الوضع المأساوي الذي عشناه في حقبة تسعينيات القرن الماضي؟! وهل ستختفي الطبقة الوسطى من المجتمع لنجد أنفسنا مصنفين إما فقراء أو أغنياء؟! 

عندما تحدث رئيس الوزراء علي الزيدي عن الخيارات الثلاثة المطروحة أمامه لتجاوز الأزمة الراهنة، أكد أنه كان مضطراً لاتخاذ قرار رفع سعر صرف الدولار، باعتباره الحل الأقل ضرراً من بين الحلول المتاحة أمامه، ولم يناقش بالتفصيل تداعيات هذه الخطوة وانعكاساتها على الطبقة الكادحة والتي تشمل الكسبة الذين لا يتقاضون رواتب من الدولة، والمتقاعدين الذين يعيلون أبناءهم الطلبة والعاطلين، والموظفين من ذوي الرواتب الضئيلة التي لا تسد تكاليف إيجار المنزل ولا أجرة مولدة الكهرباء ولا أقساط السلع التي تورطوا في شرائها، فهؤلاء سيُسحقون تحت وطأة غلاء أسعار المواد الأساسية وضعف القدرة الشرائية للمال القليل الذي يتقاضونه. 

وإذا كان البعض من الطبقة الكادحة يمتلك مدخرات، فهذه المدخرات ستنفد خلال فترة وجيزة، ثم يغرق هؤلاء في الديون، ثم يرضخون للأمر الواقع ويبدأون بالاستغناء عن نمط حياتهم السابق ليهبطوا نحو نمط التقشف، وبذلك يرفعون راية الفقر معلنين انقراض الطبقة الوسطى من المجتمع، لتعود حالة الفرز الطبقي التي سادت في تسعينيات القرن الماضي خلال الحصار الاقتصادي، حيث كان المجتمع منقسماً انقساماً حاداً إلى طبقتين: أغنياء وفقراء. 

وكلنا نتذكر انهيار الأخلاق والقيم الإنسانية خلال الحصار، عندما انتشرت الرشوة وصار المعلم يبيع الأسئلة الامتحانية بأثمان بخسة، وكيف صار الكثير من الموظفين مرتشين، وصار الشرطي يمطرك بالكلام الجميل ويصبح حارساً شخصياً لك مقابل علبة سجائر، وصار الجندي يتسول أجرة الباص في كراج العلاوي، وكثرت جرائم السرقة وتسليب السيارات، وانتشرت الدعارة بشكل مخيف في ظل نظام فاشل أهان كرامة المرأة العراقية. 

نحن لسنا بصدد المقارنة بين نظام الحزب الواحد ونظام الأحزاب المتعددة القائم على المحاصصة، لكننا نحذر من اتخاذ خطوات تحمل في طياتها تداعيات كارثية قد لا تظهر بشكل فوري، بل تتفشى في جسد المجتمع كالوباء، وبالتالي، كان الأجدر برئيس الوزراء أن يشكل لجنة تضم خبراء (حقيقيين) في الاقتصاد، يضعوا قائمة بكل الواردات التي تتقاضاها الدولة، كواردات الكمارك ودوائر المرور وكل المؤسسات التي تتقاضى أموالاً، وأن يتم جردها ووضع اليد عليها بالكامل، مع تقليص الإنفاق الحكومي بما يتماشى مع متطلبات المرحلة، بدلاً من أن نعلن عجزنا أمام هذه الأزمة المتراكمة بسبب فساد الحكومات السابقة ونبقى ننوح على إغلاق مضيق هرمز ونلعن اقتصادنا الريعي المعتمد على عائدات النفط.