نادرا ما يكتب المهزومون تاريخهم بأيديهم؛ فالتاريخ المدون في معظمه هو نتاج المراكز التي امتلكت السلطة والكتابة والأرشيف، ومنذ أقدم العصور، لم تكن السيطرة على الأرض والسلاح وحدها كافية لترسيخ النفوذ، بل كانت السيطرة على السرد والذاكرة جزءا أساسيا من ممارسة القوة، ومن هنا تبدأ واحدة من أعقد الإشكاليات المرتبطة بدراسة تاريخ الكورد وشعوب زاغروس.
لا يعود تغييب تاريخ الكورد إلى المرحلة الحديثة وحدها، بل هو نتيجة تراكم تاريخي طويل بدأ منذ العصور القديمة، حين احتكرت المراكز السياسية الكبرى إنتاج النصوص وتدوين الذاكرة، بينما بقيت الجماعات الزاغروسية في معظم الأحوال موضوعا للكتابة لا ذاتا كاتبة، ولذلك فإن ما وصلنا عن هذه الجماعات هو في الغالب روايات خصومها أو جيرانها الأقوى، لا شهاداتها الذاتية، الأمر الذي جعل تاريخها يظهر مجتزأ ومفلترا عبر عين الآخر.
وتبدو هذه الحقيقة المنهجية أساسية لفهم الكيفية التي تشكل بها التاريخ المكتوب في الشرق القديم، فالدول الكبرى لم تكن تسيطر على المجال السياسي والعسكري فحسب، بل كانت تمتلك أيضا أدوات إنتاج المعرفة وحفظها، ومن يملك السرد يمتلك القدرة على تعريف الآخر، وتصنيفه، وتحديد موقعه في التاريخ، ولهذا ظهرت الجماعات الجبلية في النصوص القديمة غالبا بوصفها هامشا جغرافيا أو سياسيا، لا بوصفها فاعلا مستقلا يمتلك ذاكرته الخاصة، كانت تذكر حين تحارب، أو حين تقاوم، أو حين تخضع، لا حين تنتج خطابها بنفسها.
لكن هذا التغييب لم يكن حذفا كاملا بقدر ما كان تمثيلا غير متكافئ، فالجماعات الزاغروسية لم تختف من النصوص، بل حضرت فيها بصورة متكررة، غير أن حضورها كان مشروطا برؤية المركز الإمبراطوري؛ فتارة توصف بأنها جماعات جبلية، وتارة أخرى كقبائل صعبة المراس، أو شعوب متمردة، أو سكان يعيشون خارج نظام الدولة، وفي كثير من الأحيان لا يرد ذكرها إلا في سياق التهديد أو الغزو أو القمع؛ وهكذا لم يكن وجودها غائبا، لكن صورتها كانت مصاغة من الخارج، أي من منظور من امتلك القلم والسلطة معا.
ويكفي أن نتأمل ما وصلنا عن الكوتيين واللولوبيين، وهما من أبرز شعوب زاغروس القديمة، لندرك طبيعة هذه الإشكالية، فمعظم ما نعرفه عنهما ورد في نصوص سومرية وأكدية كتبت من منظور سياسي يرتبط بصراعات تلك الدول ومصالحها، أما أصوات هذه الجماعات نفسها، فلم تصلنا إلا بصورة محدودة جدا أو لم تصلنا إطلاقا، ولذلك فإن الصورة المتداولة عنها هي في جوهرها صورة نقلها الآخرون، لا صورة صاغتها هذه الجماعات عن نفسها.
وتبرز حالة الكوتيين مثالا واضحا على أثر السردية المنتصرة في تشكيل الوعي التاريخي اللاحق، فالكثير من النصوص السومرية المتأخرة تصور العصر الكوتي بوصفه مرحلة فوضى وانهيار واضطراب شامل، غير أن هذه الصورة تثير تساؤلات مشروعة؛ فإذا كان الكوتيون مجرد جماعات فوضوية عاجزة عن التنظيم والإدارة، فكيف تمكنوا من بسط سيطرتهم على بلاد الرافدين لعقود طويلة؟ وكيف استطاع عدد من ملوكهم أن يتعاقبوا على الحكم خلال فترة ليست بالقصيرة؟ وكيف استمرت الحياة الاقتصادية والزراعية والحضرية في مناطق عديدة خلال تلك المرحلة؟.
إن مجرد القدرة على حكم مساحة واسعة من بلاد الرافدين تفترض وجود حد أدنى من التنظيم السياسي والعسكري والإداري، فالدول لا تدار بالفوضى الخالصة، ولا يمكن لجماعة عاجزة عن إدارة شؤون الحكم أن تحافظ على سلطتها لعقود متواصلة، وهذا لا يعني أن العصر الكوتي كان عصر ازدهار أو استقرار كامل، لكنه يعني أن تصويره حصرا بوصفه زمنا للخراب والهمجية يعكس إلى حد بعيد رؤية خصوم الكوتيين الذين كتبوا التاريخ بعد زوال حكمهم؛ ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة قراءة تلك المرحلة بعيدا عن الأحكام التي صاغتها النخب السياسية المنتصرة.
وهنا تكمن الإشكالية الكبرى: ليس من الضروري أن يكون تاريخ جماعة ما مفقودا حتى يغيب؛ يكفي أن يروى هذا التاريخ من طرف واحد حتى يتحول إلى تاريخ ناقص؛ فالمشكلة ليست فقط في قلة المصادر، بل في طبيعة المصادر نفسها؛ النصوص التي بين أيدينا عن شعوب زاغروس القديمة ليست نصوصا صادرة عنها، بل عن دول وشعوب مجاورة أكثر تنظيما وقدرة على التوثيق؛ وهذا يعني أن ما نعرفه عنها مر أولا عبر مرشح سياسي وأيديولوجي، لا عبر شهادتها الذاتية.
وإذا أخذنا هذه الحقيقة بجدية، فإننا نحتاج إلى إعادة التفكير في مفهوم "الغياب" التاريخي؛ فغياب الصوت لا يعني غياب الوجود، وغياب الأرشيف المحلي لا يعني انعدام التجربة التاريخية؛ فكثير من الشعوب القديمة لم تترك لنا سجلات ملكية أو حوليات مفصلة، لكن ذلك لا يبرر اختزالها في هوامش التاريخ؛ إن ما يختفي هنا ليس الحدث بحد ذاته، بل طريقة تمثيله. ولهذا فإن مهمة الباحث لا تقتصر على جمع الشواهد، بل تمتد إلى تفكيك البنية التي جعلت بعض الجماعات تظهر في الضوء، بينما بقي بعضها الآخر في الظل.
ومن هذا المنطلق يمكن فهم تاريخ الكورد بوصفه جزءا من تاريخ أوسع تعرض عبر قرون لتمثيل غير متكافئ. فقد كانت الجماعات الزاغروسية حاضرة في الجغرافيا السياسية والاجتماعية للمنطقة منذ أزمنة مبكرة، وأسهمت بدرجات متفاوتة في تشكيل تاريخها، لكن هذا الحضور لم يتحول إلى سردية مستقلة متماسكة في المصادر التي وصلت إلينا؛ وبدلا من أن تظهر هذه الجماعات بوصفها ذوات تاريخية كاملة، ظهرت في الغالب كأطراف تتحرك بين الممالك والإمبراطوريات، أو كقوى هامشية لا تستحق سوى الإشارة العابرة، ومع مرور الزمن أصبح هذا النمط من التمثيل نفسه جزءا من الذاكرة التاريخية السائدة.
ومن هنا نفهم لماذا تبدو كتابة تاريخ الكورد اليوم مهمة شاقة؛ فالمؤرخ لا يعمل في فراغ، بل يحاول إعادة بناء صوت جماعات لم يتح لها أن تدون نفسها بالقدر الذي أتيح لغيرها؛ ولذلك فإن أي كتابة منصفة لهذا التاريخ تحتاج إلى منهج نقدي مزدوج: قراءة النصوص القديمة باعتبارها شهادات بشرية تخضع للمصالح والانحيازات، لا باعتبارها مرايا صافية للواقع، والاستعانة في الوقت نفسه بالأدلة الأثرية واللغوية والجغرافية من أجل استعادة ما أهمل أو حجب أو لم يمنح فرصة الظهور.
إن استرداد تاريخ الكورد وشعوب زاغروس لا يعني اختراع ماض جديد، ولا البحث عن أمجاد متخيلة، بل السعي إلى قراءة أكثر توازنا وعدلا للماضي؛ فالتاريخ لا يكتب فقط بما قيل، بل أيضا بما لم يسمح له أن يقال؛ وحين نقرأ المصادر القديمة بهذه العين النقدية ندرك أن المشكلة لم تكن في غياب الشعوب الجبلية عن المسرح التاريخي، بل في أن المسرح نفسه كتب إلى حد كبير من طرف واحد؛ ومن هنا تبدأ مهمة إعادة الاعتبار: لا بوصفها معركة هوية فحسب، بل بوصفها عملا معرفيا يعيد للتاريخ تعدده، وللذاكرة شيئا من عدالتها المفقودة.