ما الذي يجعل مدينةً بعيدة تبدو قريبة؟ أهي المسافة التي تقطعها السيارة، أم الطريق الذي تختصره الطائرة، أم أن هناك مسافات أخرى لا تقاس بالكيلومترات؟ في العراق، تبدو المدن متباعدة على الخريطة، لكنها في الحقيقة تلتقي في تفاصيل كثيرة في الهموم، والآمال، والبحث عن دولة يشعر فيها المواطن أن صوته مسموع، وأن حقوقه لا تتغير بتغير عنوانه الجغرافي. لذلك، فإن المسافة بين العراقيين لا تقاس بما يفصل بينهم من طرق، وإنما بما يجمعهم من شعور بالانتماء إلى وطن واحد.
ومن هنا، يمكن النظر إلى الحضور السياسي بوصفه أكثر من مجرد جولات ولقاءات فالقيمة الحقيقية تظهر عندما يستطيع السياسي أن يرى العراق كله مساحةً واحدة، لا مناطق متجاورة فحسب، ولا مكونات منفصلة، ولا جمهورا يستدعى في مواسم محددة ثم يترك خارج دائرة الاهتمام. ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة حضور السيد عمار الحكيم وتنقله بين المدن والمناطق العراقية المختلفة، باعتباره محاولةً لإبقاء المعنى الوطني حاضرا في المشهد السياسي، والتأكيد على أن العراق لا يختصر بمدينة، ولا يختزل بمكون، ولا تقاس قضاياه بحدود الجغرافيا.
في أربيل كما في البصرة يبقى العراق هو العنوان الأوسع وفي النجف كما في الأنبار ونينوى وديالى قد تختلف الأولويات والتفاصيل لكن المواطن في النهاية يبقى مواطنا عراقيا له حقوق الدولة نفسها وعليه واجباتها نفسها.
حتى اللهجات، بما تحمله من خصوصية اجتماعية وثقافية، لا ينبغي أن تتحول إلى حواجز. فاختلاف المفردات بين (كاكا) و(أخوي)، وبين (لعد) و(عجل)، لا يعني اختلافا في المعنى عندما يكون الجامع هو الانتماء إلى وطن واحد. فاللغة قد تتنوع، لكن الإحساس بالوطن لا يحتاج إلى ترجمة.
وهنا تكمن المسألة الأهم: الوحدة الوطنية لا تُبنى فقط بالخطابات التي تتحدث عن وحدة العراق، وإنما بالسلوك السياسي الذي يجعل المواطن يشعر بأن مدينته ليست بعيدة عن الدولة، وأن مشكلته لا تفقد أهميتها لأنها تقع في أقصى البلاد. فالسياسة في جوهرها ليست أن تعرف كيف تتحدث إلى الناس فقط، وإنما أن تعرف كيف تسمعهم. أن تذهب إليهم لا لتقول ما يرغبون في سماعه، بل لتفهم ما يريدون قوله، وأن تحمل مطالبهم ومخاوفهم إلى مساحة القرار، حيث تتحول القضايا من أحاديث يومية إلى مسؤوليات سياسية.
وهذا هو التحدي الحقيقي في بلد مثل العراق: أن تتحول فكرة (الوطن الواحد) من عنوان كبير إلى ممارسة يومية. أن يشعر ابن أربيل بأن البصرة ليست مدينة بعيدة عنه، وأن يشعر ابن التنومة بأن أربيل ليست مدينة تخص الآخرين. وأن تكون نينوى حاضرة في وجدان الجنوب، كما تكون البصرة حاضرةً في وجدان الشمال.
فالدولة التي يتساوى فيها مواطنوها لا تسمح للجغرافيا بأن تتحول إلى جدار بينهم، ولا تسمح للاختلافات الطبيعية بأن تتحول إلى مسافات سياسية. إن اختلاف العراقيين ليس مشكلة ينبغي التخلص منها؛ فهو جزء من طبيعة هذا البلد وتاريخه وتنوعه المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى انقسام، أو حين يصبح الانتماء المناطقي أقوى من الانتماء الوطني.
ولهذا، فإن المسؤولية لا تقع على السياسي وحده، بل هي مسؤولية الدولة والنخب والمجتمع أيضا. الجميع مطالب بإعادة ترتيب الأولويات على قاعدة بسيطة: العراق أولًا، والعراقيون شركاء في هذا الوطن، مهما اختلفت مدنهم ولهجاتهم وتفاصيل حياتهم. وعندما تصبح هذه القاعدة حاضرة في السياسة، تتغير دلالة المسافات. لا تعود المحافظة البعيدة ملفًا مؤجلًا، ولا المدينة الطرفية هامشًا في الحسابات، ولا اختلاف اللهجة سببًا للتباعد.
فالوطن لا يصبح قريبًا لأن الطرق بين مدنه قصيرة، وإنما يصبح قريبًا حين يشعر أبناؤه أن بعضهم ليس بعيدًا عن بعض عندها فقط تضيق المسافات الحقيقية. فأربيل ليست بعيدة عن البصرة، والأنبار ليست بعيدة عن النجف، ونينوى ليست بعيدة عن بغداد. ان المدن قد تتباعد، لكن الوطن لا ينبغي أن يتباعد في النفوس.
المسافة الحقيقية ليست بين المدن... المسافة الحقيقية تبدأ حين يصبح الوطن بعيدًا عن القلوب.