
هناك لحظات في التاريخ السياسي لا يمكن قراءتها بمنطق الخبر العابر، لأنها تحمل في طياتها معاني تتجاوز الحدث نفسه. ومنح الأوسمة الرفيعة أحد هذه اللحظات؛ فهي ليست مجرد طقوس بروتوكولية، ولا مجاملات دبلوماسية، وإنما رسائل سياسية وثقافية تصوغها الدول بعناية، وتوجهها إلى أشخاص وتجارب رأت فيها ما يستحق التقدير والاحترام.
ومن هذا المنطلق، فإن منح رئيس إقليم كردستان، نيجيرفان بارزاني، وسام نجمة إيطاليا، يمثل أكثر من تكريم لشخصية سياسية؛ إنه اعتراف بمسار دبلوماسي، وإقرار بأن نهجًا قائمًا على الحوار، والانفتاح، وبناء الثقة، استطاع أن يترك أثرًا ملموسًا في العلاقات بين إيطاليا وإقليم كردستان والعراق.
وليس من قبيل المصادفة أن يصدر هذا التكريم عن الجمهورية الإيطالية، الدولة التي أسهمت منذ عصر النهضة في تشكيل الفكر السياسي الأوروبي، واحتضنت إرثًا فلسفيًا وثقافيًا ترك بصماته في تطور مفاهيم الدولة والدبلوماسية والقانون. فحين تمنح دولة بهذا العمق الحضاري أعلى درجات أحد أوسمتها الوطنية لشخصية أجنبية، فإنها لا تكرم منصبًا، بل تقرّ بقيمة تجربة، وتمنح ثقتها لمسار أثبت حضوره في ميادين السياسة الدولية.
لقد تغيّر مفهوم القيادة في القرن الحادي والعشرين. فلم تعد القيادة تُقاس فقط بما يملكه السياسي من نفوذ أو بما يلقيه من خطب، بل بقدرته على إدارة التعقيد، وصناعة التوافق، وفتح قنوات الحوار حتى في أكثر اللحظات توترًا. وفي عالم تتسارع فيه الأزمات وتتداخل فيه المصالح، تصبح الدبلوماسية الهادئة أحد أكثر أشكال القوة تأثيرًا، لأنها تبني ما تعجز القوة الصلبة عن بنائه: الثقة.
وقد قدّم نيجيرفان بارزاني، خلال مسيرته في رئاسة حكومة الإقليم ثم رئاسة الإقليم، نموذجًا لهذا النوع من القيادة. فقد اتسم أداؤه السياسي بالحرص على توسيع شبكة العلاقات الدولية، وتعزيز التواصل مع العواصم المؤثرة، وترسيخ صورة إقليم كردستان بوصفه شريكًا يعتمد عليه في ملفات الأمن، ومكافحة الإرهاب، والتنمية، والاستثمار، والتعايش بين المكونات.
ولعل أهم ما يميز هذا النهج أنه لم يقم على ردود الأفعال أو الحسابات الآنية، بل على رؤية استراتيجية تعتبر أن احترام المجتمع الدولي يُبنى عبر الاستمرارية، والالتزام، والقدرة على تحويل المصالح المشتركة إلى شراكات مستقرة. وهذه الرؤية هي التي جعلت إقليم كردستان يحظى بعلاقات متينة مع عدد من الدول الأوروبية، وفي مقدمتها إيطاليا، التي لم تقتصر علاقتها بالإقليم على التعاون السياسي، بل امتدت إلى الأمن، والثقافة، والاقتصاد، والتعليم، وحماية التراث الإنساني.
إن الأوسمة الكبرى، في الفلسفة السياسية، ليست مكافأة على النجاح الشخصي، بل اعتراف بأن صاحبها أسهم في إنتاج قيمة عامة. ولذلك فإن الوسام الإيطالي يكتسب أهميته من كونه يعبر عن تقدير لدورٍ أسهم في ترسيخ ثقافة الحوار والتعاون في منطقة عانت طويلًا من الصراعات والانقسامات.
لقد كتب الفيلسوف الألماني هانز-غيورغ غادامير أن «الحوار ليس وسيلةً لفهم الآخر فحسب، بل هو الشرط الذي يجعل الفهم ممكنًا». وربما تنطبق هذه الفكرة على التجارب السياسية الناجحة أكثر من أي مجال آخر؛ فالقائد الذي يفتح أبواب الحوار لا يحل أزمةً مؤقتة فحسب، بل يؤسس لثقافة سياسية قادرة على إنتاج الاستقرار. ومن هنا، يمكن النظر إلى الدبلوماسية التي انتهجها نيجيرفان بارزاني باعتبارها ممارسةً تراهن على بناء الثقة قبل بناء التحالفات، وعلى تقريب وجهات النظر قبل حسم الخلافات.
وفي السياق ذاته، يذكّرنا الفيلسوف إيمانويل كانط، في مشروعه عن السلام الدائم، بأن استقرار العلاقات بين الدول لا يتحقق بالقوة وحدها، بل بقيام منظومة من الاحترام المتبادل والقواعد المشتركة. وإذا كانت السياسة الدولية الحديثة قد أثبتت شيئًا، فهو أن الدول التي تستثمر في الثقة والتعاون تحصد على المدى البعيد نتائج أكثر رسوخًا من تلك التي تعتمد على منطق المواجهة وحده.
ومن هذه الزاوية، فإن تكريم رئيس إقليم كردستان يعكس أيضًا تقديرًا للدور الذي لعبه الإقليم في مواجهة الإرهاب، وفي احتضان مئات الآلاف من النازحين واللاجئين، وفي الحفاظ على نموذج للتعددية والتعايش في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب. وهذه كلها عناصر أسهمت في تعزيز صورة الإقليم كشريك مسؤول في نظر المجتمع الدولي.
لكن الحدث يحمل دلالة أخرى لا تقل أهمية؛ فهو يؤكد أن الحضور الدولي لا يُقاس بحجم الدولة أو عدد سكانها فقط، وإنما بقدرتها على إنتاج سياسات مسؤولة، وصناعة شراكات موثوقة، والمساهمة في معالجة القضايا المشتركة. لقد أثبتت تجارب كثيرة أن المكانة الدولية تُبنى بالفعل السياسي الرشيد أكثر مما تُبنى بعوامل الجغرافيا وحدها.
ولعل هذا هو المعنى الأعمق للأوسمة الرفيعة؛ فهي لا تمنح الشرعية، وإنما تعترف بها. ولا تصنع المكانة، وإنما تعكسها. إنها، بلغة الفيلسوف بول ريكور، شكل من أشكال «الاعتراف» الذي يربط الإنجاز بالتقدير، والعمل بالذاكرة، ويحوّل المنجز السياسي إلى قيمة رمزية تتجاوز حدود اللحظة.
إن ما يجعل هذا التكريم جديرًا بالتأمل ليس كونه حدثًا بروتوكوليًا، بل لأنه يفتح بابًا للتفكير في نوع القيادة التي يحتاجها الشرق الأوسط اليوم. فالمنطقة، التي أثقلتها الحروب والانقسامات، تحتاج إلى قادة يجيدون بناء الجسور أكثر من بناء المتاريس، ويؤمنون بأن الحوار ليس ضعفًا، بل أرقى أشكال القوة السياسية.
وفي نهاية المطاف، يبقى الوسام قطعةً من معدن نفيس، لكن قيمته الحقيقية ليست فيما صنع منه، بل فيما يرمز إليه. فهو شهادة بأن العمل الهادئ قد يجد صداه، وأن السياسة حين تقترن بالحكمة تستطيع أن تترك أثرًا يتجاوز حدود الزمن والمكان.
إن تكريم نيجيرفان بارزاني هو، في جوهره، تكريم لفكرة قبل أن يكون تكريمًا لشخص؛ فكرة أن الاعتدال يمكن أن يكون قوة، وأن الدبلوماسية يمكن أن تكون صناعة للمستقبل، وأن الثقة، حين تُبنى بصبر ومسؤولية، تتحول إلى رأسمال سياسي لا يقل قيمة عن أي إنجاز مادي. ولعل هذا هو الدرس الأهم الذي يحمله هذا الوسام: أن التاريخ لا يخلّد فقط من امتلكوا السلطة، بل يخلّد أيضًا من أحسنوا استخدامها في خدمة السلام، وتعزيز الشراكة، وبناء الاحترام بين الأمم.