منذ سنوات ونحن نكتب وننتقد ونرفع الصوت كلما تحول العراق إلى مادة درامية تفصل على مقاس الإثارة الرخيصة. لم يكن اعتراضنا يوماً على الفن بوصفه فناً، بل على توظيفه كأداة صادمة تبتسم على الشاشة بينما تعبث بصورة مجتمع كامل في الوعي الجمعي. بعض القنوات العراقية والعربية تتعامل مع الشأن العراقي كأنه حقل تجارب مفتوح، فيما يندفع بعض الفنانين للمشاركة في هذه الأعمال مقابل بريق عابر وحفنة دولارات.
رمضان، شهر الروح والسكينة، يتحول كل عام إلى موسم درامي مشحون، تُبنى حبكاته على الإثارة المذهبية والمناطقية. تتكرر الصورة ذاتها: الجنوب يُختزل في شخصية ساذجة، بيئة مغلقة، مجتمع يُقدَّم على أنه هامش لا مركز. وكأن الجنوب، بتاريخ علمائه وأدبائه ومفكريه، لا يُرى إلا عبر عدسة تبحث عن الجدل لا الحقيقة.
هذا العام يتصاعد الجدل مع مسلسل “حمدية” الذي تنتجه مجموعة MBC Group. القصة المتداولة تتحدث عن فتاة جنوبية تهرب من أهلها لتلتقي بشخص من أصول إيرانية في مرقد الإمام موسى الكاظم، ثم تُبنى الأحداث على علاقة غير شرعية يُولد منها طفل يُسمّى “مهدي”.
أي رسالة يُراد تمريرها عبر هذا السياق؟ هل نحن أمام معالجة درامية عميقة، أم أمام حبكة صادمة تستدعي أكثر الرموز حساسية لإثارة ردود الفعل؟ حين يُذكر مرقد ديني له مكانته في قلوب الملايين ضمن إطار ملتبس، فإن الأمر لا يبقى في حدود الفن، بل يدخل منطقة الوجدان الجمعي.
الأخطر ليس مشهداً بعينه، بل التراكم. حين تتكرر صورة الجنوب المشوهة، وحين تُربط الرموز الدينية بسرديات مثيرة للجدل، فإننا أمام حرب ناعمة تُخاض بالكاميرا والنص والإخراج، لكنها تمسّ الهوية والذاكرة والانتماء.
وهنا يبرز السؤال: أين الرقابة؟ وهل توجد لدينا رقابة حقيقية فعلاً؟ إن المسؤولية لا تقع على صُنّاع العمل وحدهم، بل تمتد إلى هيئة الإعلام والاتصالات بوصفها الجهة المعنية بتنظيم البث. هذه المؤسسة لم تُنشأ لتكون شاهداً صامتاً، بل لتكون ميزاناً يضبط الإيقاع حين يختل.
لكنني، وبصراحة، على يقين أن الهيئة غير قادرة على وقف هذا المسلسل. فليست هذه المرة الأولى التي تُعرض فيها أعمال تُسيء لأبناء الجنوب وتُظهرهم بأبشع صورة، ومن بينها أعمال شارك فيها فنانين عراقيين ومع ذلك لم نر موقفاً حازماً أو إجراءً يوازي حجم الإساءة. الصمت المتكرر لا يُفسَّر إلا على أنه عجز أو تهاون.
الاكتفاء بحذف بعض المشاهد لا يعالج جوهر الإشكال، لأن المشكلة ليست في لقطة عابرة، بل في الفكرة والسياق العام. فالقوانين وُجدت لتُطبَّق، لا لتُعلَّق في أوقات الحرج.
حرية التعبير قيمة أساسية، لكنها ليست مظلة لكل طرح صادم تحت لافتة الدراما. الحرية مسؤولية، والإعلام سلطة ناعمة قد تكون أشد تأثيراً من أي خطاب سياسي. والقضية اليوم ليست مجرد مسلسل، بل اختبار حقيقي لجدية المؤسسات: إما أن تكون الشاشة مساحة وعي تُضيف إلى المجتمع، أو تتحول إلى شرارة تُلقى في حقلٍ جاف ينتظر أقل احتكاك ليشتعل.