​تاريخياً لم يكن نضال الشعب الكوردي مجرد صراع على جغرافيا بل كان اختباراً أزلياً لإرادة البقاء في مواجهة مشاريع الإبادة والإنكار حيث اعتصم الكورد بالجبال كقلاع أخيرة للحرية محولين معاناتهم إلى أسطورة صمود أذهلت التاريخ. إن قراءة الجرح الكوردي تتطلب العودة إلى ما وراء اللحظة فحلبجة لم تكن الألم الأول ولا الجرح الوحيد بل كانت التكثيف الصارخ لمسار طويل من الظلم بدأ فعلياً بمأساة أنفال البارزانيين عام 1983 حين تم تغييب 8000 إنسان من أبناء هذه المنطقة المناضلة لتمثل تلك الجريمة البروفة الأولى لسياسة التطهير العرقي التي تعمقت لاحقاً عبر عمليات الأنفال الممنهجة التي بدأت مراحلها في شباط 1988 وتوزعت على ثماني مراحل جغرافية قاسية شملت (سرگلو وبرگلو قره داغ گەرميان وحوض الزاب الأعلى وصولاً إلى بادينان) مستهدفةً محو الوجود والهوية في كل شبر من أرض كوردستان. وحين حلت الكارثة في حلبجة في السادس عشر من آذار عام 1988 وتحديداً في الساعة 11:35 صباحاً انهمر الموت الكيماوي برائحة التفاح المسموم عبر مزيج قاتل من غازات الأعصاب والخردل في مشهد سريالي وصفه الصحفي البريطاني إدوارد مورتيمر بأنه الجريمة التي فُضحت بالصور وحاولت الدبلوماسية إخفاءها حيث تجمد الزمن في شوارع المدينة ليوثق مشهد الشهيد عمر خاور وهو يحتضن رضيعة كأيقونة تراجيدية تختصر محاولة اغتيال المستقبل الكوردي.

​هذه الجريمة نُفذت وسط صمت دولي مطبق وتواطؤ من بعض المصالح التجارية الدولية التي زودت النظام بالمواد الأولية وهو ما حلله رمزي كلارك لاحقاً بوصفه دليلاً صارخاً على ازدواجية معايير النظام الدولي الذي غض الطرف عن الألم الكوردي مقابل توازنات الحروب الباردة ونفاق المصالح وهو ما عكسه القصور في القرار الأممي 612 الذي صدر عقب المأساة ولم يجرؤ حينها على تسمية الجاني صراحة. وفي هذه اللحظة الحرجة برز الدور الاستراتيجي لـ الرئيس مسعود بارزاني الذي خاض معركة كسر العزلة فبينما كان العالم يشيح بنظره كان الرئيس البارزاني المحرك الأول لتدويل القضية حيث أصدر أوامره الفورية لقوات البيشمركة بتأمين دخول الصحفيين والمصورين الدوليين لتوثيق الجريمة تحت القصف ووجه نداءات استغاثة عاجلة للأمم المتحدة والصليب الأحمر هزت أركان المحافل الدولية محولاً تلك الدماء إلى قوة دفع سياسية أثمرت لاحقاً في صدور القرار الأممي التاريخي 688 الذي أجبر العالم على الاعتراف بمعاناة الكورد وضرورة حمايتهم مما أسس لفرض منطقة الحظر الجوي وصناعة كيان إقليم كوردستان الدستوري برهاناً على أن إيمان القيادة بحق شعبها كان أقوى من ترسانات السلاح وتواطؤ الصمت الدولين، إن استكمال هذا المسار السيادي تجلى بوضوح في الرؤية المؤسساتية للسيد مسرور بارزاني رئيس حكومة الإقليم كوردستان الذي نقل حلبجة من أيقونة للمظلومية إلى مركز ثقل إداري وقانوني وسيادي فقرار تحويل حلبجة إلى محافظة كاملة الصلاحيات كان الرد الاستراتيجي الأكثر بلاغة على محاولات الإبادة والأنفال لإعادة بناء المؤسسات وترسيخ التعايش بجعل الإقليم واحة للأمان لكل إنسان مهما كانت قوميته أو دينه وهو ما يمثل القيامة الكوردية التي هزمت فكر التهميش والقتل. ومع ذلك فإن ما يشهده إقليم كوردستان اليوم من استهداف غادر لبنيته التحتية ومنشآت طاقته بالمسيرات والصواريخ ليس إلا محاولة مستنسخة لخنق الإرادة الكوردية وصمت المجتمع الدولي الحالي تجاه هذه الاعتداءات هو تكرار لخطيئة عام 1988 وتجاهل مستمر لألم الكورد واستقرارهم. لكن الفرق الجوهري اليوم هو أن كوردستان ليست ضحية عزلاء بل هي شريك أمني واقتصادي دولي يدافع عن سيادته بقوة المؤسسات والقانون الدولي وأن استهداف كوردستان الصمود اليوم هو شهادة على نجاح تجربتها السيادية واعتراف ضمني بأنها أصبحت رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه في معادلة الاستقرار الإقليمي، إن حلبجة والأنفال وتضحيات البارزانيين لم تكن نهاية القصة بل كانت السطور الأولى في ميثاق سيادة كوردستان الأبدية وعلى القوى المتربصة أن تدرك أن لغة الخنق والتركيع لن تجدي نفعاً مع شعب صقلته النيران وحوله الوجع إلى نهضة مؤسساتية شاملة. نحن اليوم أقوى بآلامنا وأرسخ بوفائنا لدماء الشهداء وأكثر عزماً على حماية استقلالنا السياسي والاقتصادي وسنبقى القلعة التي تتحطم عليها كل المؤامرات. إن الحق الذي يحميه طريق الجبل وصلابة القيادة التاريخية هو حق لا يموت وفجر السيادة المطلقة الذي بلهب حلبجة وصاغه القرار 688 لن تنطفئ شعلته فمن نجا من الأنفال والموت الكيماوي سينتصر حتماً في معركة السيادة والبناء والكرامة مؤكدين للعالم ما قاله الرئيس مسعود بارزاني بصلابة " لقد أرادوا بحلبجة والأنفال كسر إرادة شعب كوردستان وتصفيته جسدياً لكن حلبجة أصبحت بوابة لتعريف قضيتنا للعالم وأثبتت أن شعبنا لا يكسره الموت بل ينهض من تحت الرماد أقوى".