إن ما يدور في فلك السياسة العراقية الآن بات شيئاً مغايراً لما شهدناه لأكثر من عقدين مضت، وهذا ليس بجديد على متغيرات العمل السياسي الحالي.
فبعد أن شُكلت الحكومة العراقية بمبدأ التقاسم والتراضي بين الأطراف السياسية، وبعد جهد جهيد لإيجاد اسم يكون مقبولاً لديهم، برز اسم لم يكن متوقعاً لدى الجميع، وخاصة المجتمع العراقي الذي صُدم بتغيير نمطية تولي رئاسة الحكومة لشخصية سياسية معروفة، إذ جاء الواقع عكس ذلك تماماً.
وهذا هو المنعطف الجديد الذي ستبنى عليه السياسة في العراق؛ فرجالات الاستثمار باتت تشكل حلقة جوهرية في بنيان المناصب الحكومية. لعلنا شهدنا تجارب سابقة عندما تولى بعض الشخصيات مناصب مهمة؛ من رئيس برلمان ووزير ونائب ومحافظ، والآن جاءت "الضربة القاضية" بأن يكون رئيس الحكومة نفسه أحد رجال الاستثمار! والمفارقة هنا، أن يترأس الحكومة رجل استثمار تتحدث الأوساط والتقارير عن مطالبته الدولة والحكومة التي يترأسها حالياً بـ (ديون مالية)..!!
لقد جاء هذا الرئيس بعنوان جديد لتولي منصب كان الجلوس عليه بمثابة الزعامة والنفوذ. ولكن، بوجود بعض الموازين والمسميات التي ابتُكرت بحلة جديدة في المشهد العراقي -والتي فرضتها خارطة النفوذ السياسي لبعض القوى والزعامات- صُنع واقعٌ يجعل من المسؤول التنفيذي مقيداً بـ (إرادات وتوافقات) تحاول الهيمنة على القرار وتوجيه مسارات الرئاسات الثلاث برمتها.
هذه هي السياسة الحالية المتبعة في العراق، والتي يبدو أنه تم استيرادها من الخارج، ولكن بإضافات وتعديلات محلية مطورة؛ فالمسؤول في هذه الفترة سيأتي من طبقة رجال الاستثمار، ممن يملكون (جامعة أهلية)، أو (مستشفى خاصاً)، أو (أبراجاً ومجمعات سكنية)، أو حتى (مصرفاً أهلياً). وهذا المؤشر يعني أننا أمام "موديل" جديد لتولي المناصب في البلد.
ولعل هذا يحاكي ما فعله الرئيس الأمريكي بجعل السياسة المالية القوة الأكبر في الوجود، حيث يمكنك جلب أي شيء بواسطة المال. وهنا، نجد أن الأغلب قد برعوا في "التقليد"..! فصنعوا الشيء نفسه ولكن برؤيتهم الخاصة، على أن تأتي بوادر هذا التغيير بالخير والنفع لهم بالتأكيد، وليس للشعب.
أما الشعب، فقد قضى حياته يحلم ويتأمل ويتمنى أن يتغير الوضع في بلده، ولكن هذا الأمر بات متروكاً لإرادة السماء، التي من المؤكد أنها سترينا تغييراً جذرياً في الوضع الحالي؛ سياسياً ومالياً وإدارياً.. والله قادر على كل شيء.