درجت الحكومات التي تشكلت في العراق منذ أول انتخابات في عام 2005على القول إنها حكومات توافق أو تشارك وقد عرفت بين الناس على إنها حكومات "محاصصة" لم يرشح فيها الوزراء على اعتبارات الكفاءة بل على أساس الولاء الحزبي فقط، فظل العراق متخلفا ولم تفلح تلك لحكومات في الارتقاء بالبلد.
بحسب العلوم السياسية، يطلق على هذا النظام اسم "الديمقراطية التوافقية"، ويتضمن توافق القيادات وهو المحرك الأساس في هذا النظام، يقوم على مبدأ أن قادة المجموعات المتنوعة طائفيا، وعرقيا، أو أيديولوجيا يجلسون على طاولة واحدة لاتخاذ القرارات الكبرى بالإجماع أو الغالبية المريحة، لضمان عدم استفراد مكون واحد بالسلطة.
من الناحية النظرية، يفترض أن يمثل هؤلاء القادة تطلعات قواعدهم الشعبية، لكن في التجارب المتعثرة، يتحول الأمر إلى توافق مصالح بين الزعماء لتقاسم الموارد بصيغة "المحاصصة"، فيما تغيب النتائج المفترضة لهذا التوافق على مستوى الشعب الذي قد يعاني من سوء الخدمات بغض النظر عن انتمائه.
وإذا لم تقترن التوافقية بمبدأ "التكنوقراط" أو الكفاءة، تتحول إلى أداة لتعطيل الدولة وتعيين غير المختصين في مناصب حساسة بناء على الولاء الحزبي، ونظام التوافق ليس اختراعا محليا بل هو انموذج طبق في دول ذات تنوع مجتمعي كبير لضمان الاستقرار، وهناك نماذج ناجحة وأخرى واجهت تحديات كبرى ففشلت.
وتعد سويسرا المثال الأبرز الناجح؛ اذ تدار الحكومة من قبل "المجلس الاتحادي" الذي يضم ممثلين عن الأحزاب الرئيسة والمجموعات اللغوية الألمانية، والفرنسية، والإيطالية. ان سر نجاحه هو الالتزام الصارم بالمعايير القانونية والكفاءة، وتواجد نظام الفيدرالية القوي الذي يمنح الأقاليم سلطة إدارة شؤونها بعيدا عن الصراعات المركزية.
كما أن بلجيكا تعتمد التوافقية بين المكونين "الفلمنكي" و" الوالوني". وبرغم أنها شهدت مدد طويلة من الانسداد السياسي أي بقاء الدولة من دون حكومة لأكثر من 500 يوم في إحدى المرات، إلا أن مؤسسات الدولة والخدمات ظلت تعمل بانتظام وكفاءة لاعتمادها على جهاز إداري مهني بعيد عن التجاذبات السياسية.
ويصنف النموذج اللبناني بالنظام التوافقي الفاشل اذ يعتمد لبنان نظام "الميثاق الوطني" الذي يوزع الرئاسات والوزارات على الطوائف، ويشبه هذا النموذج التجربة العراقية في تحولها إلى محاصصة تعوق الإصلاح، اذ يصبح الحفاظ على حصة الطائفة وفي الواقع حصة الحزب أهم من كفاءة الوزير أو تقديم الخدمة للسكان.
لقد مثلت تجربة "التحالف الثلاثي" في العراق "إنقاذ وطن" بعد انتخابات 2021 المنعطف الأبرز في محاولة كسر نمط الديمقراطية التوافقية والتحول نحو الأغلبية الوطنية. كانت تلك المحاولة تهدف إلى خلق معادلة حكومة أغلبية تقابلها معارضة برلمانية، وهو ما يتوافق مع مطالب احتجاجات تشرين 2019 التي نادت بإنهاء نظام المحاصصة، والتركيز على الهوية الوطنية.
لكن إخفاق تلك المحاولة والعودة إلى "ائتلاف إدارة الدولة" أي النموذج التوافقي التقليدي كشف عن عدة عوائق هيكلية في النظام السياسي العراقي، إذ استغلت المادة 70 من الدستور العراقي، التي تشترط حضور ثلثي أعضاء مجلس النواب لانتخاب رئيس الجمهورية، كأداة قانونية لإفشال مشروع الأغلبية، هذا "الثلث المعطل" جعل من المستحيل على أي كتلة فائزة المضي بمفردها من دون استرضاء الكتل الأخرى، مما أعاد الجميع إلى طاولة التوافق مجددا.
تخشى الطبقة السياسية أن الأغلبية السياسية قد تتحول إلى "تهميش"، ففي النظام العراقي الحالي، لا ينظر إلى المعارضة كدور سياسي صحي، بل تفسر غالبا على أنها إقصاء لمكون كامل من حصته في الدولة من المناصب، والموازنة، والتعيينات، وهو ما يدفع القوى السياسية للتمسك بالمحاصصة كضمانة لتواجدها.
إن الانتقال إلى الأغلبية يتطلب تواجد مؤسسات دولة قوية تستطيع حماية المعارضة، وفي الحالة العراقية، فان تداخل الأجنحة المسلحة مع الأحزاب السياسية جعل من فكرة الذهاب للمعارضة مخاطرة بفقدان النفوذ الأمني والتمويل وحتى التصفيات، مما جعل التمسك بالسلطة التنفيذية (الوزارات) مسألة وجودية لهذه الأحزاب. ان غياب البديل الإداري المتمثل بالتكنوقراط المستقل جعل مفاصل الدولة تابعة للأحزاب بدلا من أن تكون تابعة للمجتمع والدولة.
بعد العودة للمحاصصة عقب أحداث 2021-2022، يرى مراقبون أن النظام السياسي العراقي دخل في حالة تجميد للأزمة وليس حلا لها، فالأغلبية السياسية التي طالبت بها الجماهير كانت تبحث عن المساءلة؛ أي تواجد جهة واحدة مسؤولة عن الفشل يمكن محاسبتها في الانتخابات التالية، بينما في نظام المحاصصة الحالي، يضيع الفشل بين الائتلافات السياسية، اذ يلقي كل طرف باللوم على الآخر.
أن التعديل الدستوري مطلوب بخاصة في المواد التي تسمح بالتأويلات المتعددة، فالمشكلة ليست فقط في اشتراط ثلثي أعضاء البرلمان لانتخاب الرئيس، بل في التفسيرات القانونية التي جعلت من هذا النص "فيتو" بيد القوى الخاسرة لتعطيل القوى الفائزة.
الحل الدستوري المفترض يكمن في صياغة نصوص تفرض جداول زمنية صارمة وتحدد مفهوم "الكتلة الأكبر" بوضوح لا يقبل التأويل غداة إعلان النتائج، لمنع التحالفات اللاحقة التي تلتف على إرادة الناخب.
مع الاحداث الأخيرة في العراق واختيار علي الزيدي مرشحا لرئاسة مجلس الوزراء اثر تنافس محموم اقطابه نوري المالكي ومحمد شياع السوداني، فان ثقة الشعب بالجهاز التنفيذي(فضلا عن الجهازين التشريعي والقضائي) لم تزل معدومة، ويتخوف السكان من ان يصبح رئيس الوزراء الجديد بمنزلة "مدير عام" تملي عليه الأحزاب سياساتها وتفرض سطوتها، بخاصة بعد انتشار بعض التسريبات التي ظهرت عن لقاءات الزيدي بالائتلافات وظهور أسماء من غير المختصين "التكنوقراط" لتقاسم الوزارات، وعلى سبيل المثال ظهر المتحدث السابق باسم الحشد الشعبي احمد الاسدي كمرشح لوزارة التربية وهو اختصاص لا علاقة له به وبعموم العملية التعليمية، وقد عبر مؤخرا مراقبون عن مخاوفهم من ان يقوم الاسدي بعسكرة و "أسلمة" التعليم بوساطة قرارات أصدرها مستغلا تواجده في ظل حكومة تصريف الاعمال بصفته وزيرا للتربية بالوكالة، بفتح مكاتب تنسيقية للحشد في مديريات التربية، كما منع حفلات التخرج للتلاميذ الصغار ومنع أي عمليات تصوير أو نشر لمقاطع فيديو في داخل المعاهد الأهلية، ما ولد مخاوف لدى الناس الذين عبر كثير منهم عن خشيتهم على أولادهم وبناتهم من العسكرة و "الأسلمة" بدلا من التعليم المتقدم، وفكر بعض أولياء الامور في نقل أبنائهم الى مدارس في مناطق أخرى من العاصمة بغداد او زجهم في التعليم الاهلي، وحتى ترك الدراسة بحسب تصريحات البعض، وهكذا مع أسماء بقية المرشحين ممن ظهرت أسماؤهم فهم غير مهنيين ولا علاقة لهم باختصاص الوزارات التي سينسبون اليها.
واخير نقول، إذا لم يمتلك علي الزيدي القدرة على فرض "تشكيلة تكنوقراط" حقيقية بعيدا عن ضغوط الكتل، فإن حكومته قد تصبح مجرد فصل جديد في كتاب الفشل ذاته، اذ يظل المواطن هو الحلقة الأضعف في صراع النفوذ والمصالح.