"جحيم متعدّد الجبهات".. من يحكم الشرق الأوسط حين يُلغى صوت الشعوب؟"

قراءة تحليلية في أزمات المنطقة المتعددة الجبهات

لم يعد وصف "أزمة" كافيًا لتلخيص ما يجري في الشرق الأوسط اليوم. فما تعيشه المنطقة أقرب إلى حالة اشتعال متعدد الجبهات يتداخل فيها الصراع المباشر بين واشنطن وتل أبيب من جهة وطهران وحلفائها من جهة أخرى، مع انهيار عملي لاتفاقات وقف إطلاق النار في غزة، وتوسع نطاق الضربات في لبنان، واستمرار التهديدات الحوثية في خطوط الملاحة الدولية.

خلف هذه العناوين، يقف سؤال يتكرر بصيغ مختلفة عند كل ضحية مدنية وكل ناقلة نفط تتعرض للتهديد: من يتحمل المسؤولية؟ هذا السؤال هو ما تحاول هذه القراءة أن تضعه بين السطور.

مواجهة واشنطن وطهران: حرب المضايق وتوازن الردع

منذ اندلاع المواجهة العسكرية المباشرة وتصاعدها بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى، دخلت المنطقة في دوامة من حرب الإنهاك الاقتصادية والعسكرية. أضحى مضيق هرمز—الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية—ورقة ضغط استراتيجية تحيط بها المخاطر، حيث تفرض طهران قيودًا ومخاطر أمنية متزايدة رفعَت تكاليف الشحن والتأمين إلى مستويات قياسية، بينما تواصل واشنطن فرض حصار مشدد على صادرات النفط الإيرانية.

ومع دخول هذه المواجهة مرحلة جديدة أواخر سبتمبر الحالي، باتت الملاحة في المضيق تعيش حالة من الاستنزاف؛ حيث تحولت حركة السفن إلى مؤشر لحظي لموازين القوى، بينما تترقب الأسواق العالمية أي تصعيد قد يؤدي إلى إغلاق تام.

سؤال بين السطور: حين تتحول الممرات البحرية الدولية إلى ساحة ابتزاز وورقة ضغط في صراع الإرادات، من يحاسب الأطراف التي تتخذ القرار على حساب استقرار الاقتصاد العالمي؟

غزة: اتفاقات متهالكة وحرب متقطعة ذات كلفة متزايدة

في غزة، أثبتت الأشهر الماضية أن إطارات "وقف إطلاق النار" والوساطات الدولية لم تنجح في إنهاء الصراع بل غيرت نمطه فقط. تستمر الغارات الإسرائيلية والعمليات الميدانية بشكل شبه يومي مستهدفة مناطق مختلفة من القطاع، متسببة في سقوط المزيد من الضحايا المدنيين وسط اتهامات متتبادلة بين إسرائيل وحماس برفض الالتزام ببنود التهدئة أو شروط نزع السلاح والانسحاب.

على الأرض، تشير المعطيات الميدانية إلى فرض سيطرة عسكرية واستقطاع أجزاء واسعة من مساحة القطاع تحت تحكم القوات الإسرائيلية، مما يضغط على مئات الآلاف من السكان في مساحات ضيقة للغاية وتفاقم الكارثة الإنسانية. كما تشير التصريحات السياسية الصادرة من تل أبيب إلى رفض تام لفك الارتباط العسكري أو قيام دولة فلسطينية، مما يحول أي حديث عن "إعادة الإعمار" إلى مجرد ترف سياسي مؤجل.

سؤال بين السطور: هل يُعد مصطلح "وقف إطلاق النار" دقيقًا حين تستمر العمليات العسكرية والتوسع الميداني، أم أنه مجرد غطاء سياسي لإدارة الحرب بكلفة إعلامية أقل؟

لبنان وسوريا: إعادة رسم قواعد الاشتباك ورسائل الطاقة

في جنوب لبنان، تجاوزت الأحداث نطاق "قواعد الاشتباك" التقليدية، حيث تتوسع رقعة الضربات الإسرائيلية لتشمل عمق المناطق اللبنانية والبنية التحتية، وسط مؤشرات على فرض سيطرة ميدانية ونقاط مراقبة جديدة في التلال الاستراتيجية.

وفي المقابل، تحاول سوريا التعامل مع واقعها الجيوسياسي المعقد عبر محاولة التموضع كحلقة وصل بديلة لخطوط الطاقة والتجارة بين الخليج والمتوسط للتخفيف من أزمة هرمز، إلا أن هذه الطموحات تظل اصطدامًا واقعيًا بالمخاطر الأمنية وغياب الاستثمارات الضخمة في ظل الاستهدافات المستمرة.

سؤال بين السطور: هل تملك دول المنطقة المتوسطة والصغيرة القدرة على حماية أمنها القومي ورسم مسارها الاقتصادي، أم أن قرارها السيادي يظل رهينة لغرف العمليات في العواصم الكبرى؟

اليمن والبحر الأحمر: اختناق الممرات المائية

في اليمن، لم تعد الحرب مجرد نزاع داخلي بين جماعة الحوثيين والقوات الحكومية، بل تحولت إلى جزء أساسي من معادلة الردع الإقليمية. السيطرة على المواقع الحاكمة في الساحل وسلسلة الجبال المحاذية لمضيق باب المندب تمنح الحوثيين قدرة عالية على تهديد حركة الملاحة في البحر الأحمر.

إن توازي المخاطر في باب المندب ومضيق هرمز يضع التجارة العالمية أمام تهديد مزدوج في مادتين حيويتين، وهو ما يدفع بعض القوى الإقليمية والدولية إلى ممارسة ضغوط مكثفة على الأطراف الداعمة لكبح جماح هذا التصعيد الذي يهدد سلاسل الإمداد العالمية.

الكلفة الإنسانية والاقتصادية: الفاتورة الحقيقية

خلف التحليلات العسكرية، هناك ثمن باهظ يدفعه المواطن العادي يوميًا:

في إيران: يواجه المواطنون تبعات التدهور الاقتصادي والتضخم الحاد جراء العقوبات وإغلاق منافذ التصدير.

في غزة ولبنان: تتواصل المأساة الإنسانية ونزوح العائلات وتدمير المنازل تحت وطأة الضربات المتكررة.

عالميًا: يتحمل المستهلك في مختلف قارات العالم الزيادات المباشرة في أسعار الطاقة، والتأمين، وكلفة شحن البضائع الأساسية.

مسؤولية موزعة ومحاسبة غائبة

تكمن المشكلة الكبرى في هذا الصراع في أن كل طرف يحمل رواية متماسكة يبرر بها أفعاله:

طهران: تتحدث عن مواجهة الهيمنة الأمريكية ودعم حلفائها.

تل أبيب: تتحدث عن حماية أمنها الوجودي وتفكيك التهديدات على حدودها.

واشنطن: تؤكد على الالتزام بحماية حلفائها وحرية الملاحة الدولية.

الفصائل المحلية: ترفع شعارات المقاومة ورفع الحصار.

وسط هذه الروايات المتصارعة، تُغيّب المساءلة الحقيقية عن الثمن الإنساني والإستراتيجي.

يبقى السؤال المفتوح اليوم: هل الشرق الأوسط مجرد ضحية لصراع نفوذ بين قوى عظمى، أم أن الهشاشة المؤسسية والانقسامات الداخلية لدول المنطقة هي التي جعلت أراضيها ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات؟

إن إيجاد مخرج من هذه العوالم المغلقة يقتضي الإقرار بأن المسؤولية مشتركة بين التدخلات الخارجية والهشاشة الداخلية، وأن الاستمرار في هذا المسار لن ينتج عنه سوى المزيد من الاستنزاف لجميع الأطراف.