تحلّ علینا هذە الایام الذكرى الخامسة والستون لاندلاع ثورة أيلول عام 1961. وهي مناسبة للعودة إلى واحد من أهم أحداث التاريخ الكوردي المعاصر. وقد أشار (وديع جويدە)، في دراسته للحركة القومية الكوردية، إلى أن ثورة أيلول كانت المرة الأولى التي يتحد فيها كورد من أجزاء مختلفة من كوردستان، ومن فئات اجتماعية وأديان وقوميات متعددة، تحت رایة زعیم و قائد واحد یحظى باعتراف داخلي وخارجي. ولهذا اعتبر (جویدە) البداية الفعلية للحركة التحررية الكوردية الحديثة.
لم يكن حمل السلاح غاية الثورة، لأنها حملت منذ البداية مشروعًا سياسيًا له هدفان مترابطان: الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكوردستان. كان الحكم الذاتي مطلوبًا ضمن العراق، لكن ضمانه احتاج إلى نظام يعترف بالتعدد القومي ولا يتعامل مع القضية الكوردية بوصفها مشكلة أمنية ينبغي إخضاعها بالقوة.
لن أتطرق هنا إلى المعارك والمفاوضات، فقد كُتب عنهما كثيرًا، بل سأحاول استعادة الثورة من جوانب أخرى جديرة بالدراسة و من زاوية لم تحظَ بما يكفي من الاهتمام: ماذا فعلت أربعة عشر عامًا من الثورة في المجتمع الكوردستاني وفي الناس الذين عاشوها أو انخرطوا فيها؟
إعادة هيكلة البنیة الاجتماعية
كان الطابع الريفي غالبًا على مساحات واسعة من كوردستان، وكانت العشيرة والملكية والزعامة المحلية مصادر أساسية للمكانة والنفوذ. ومع انطلاق الثورة، وجد بعض رؤساء العشائر والزعامات التقليدية أن مبادئها، المتأثرة بنهج بارزان، لا تنسجم مع مصالحهم أو مواقعهم السابقة. فغادر بعضهم إلى المناطق الخاضعة للحكومة، بينما وقف آخرون ضد الثورة.
و بذلک انهار النظام الاجتماعي و ترک فراغا کان من اللازم ملأە، و هو ما قامت بە الثورة حیث حل مسؤولون حزبيون وكوادر من البيشمركة وقادة محليون محل الزعامات المحلیة التقلیدیة، و كان كثير من هؤلاء الزعماء الجدد من أبناء الفلاحين والكادحين ومن فئات لم تكن في أعلى السلم الاجتماعي التقليدي. لم تختفِ العشيرة، ولم يفقد النسب والملكية أهميتهما، لكن طريقًا آخر إلى المكانة بدأ يظهر، يقوم على المشاركة والكفاءة وتحمل المسؤولية وما يقدمه الفرد للقضية الكوردستانية.
ظهرت آثار ذلك لاحقًا، حين نری الیوم کیف ان وصل أبناء و أحفاد هذه الفئات، یدسرون في افضل الجامعات و ینالون اعلی الدرجات العلمیة و الاکادیمیة و یحتلون مواقع متقدمة في الحزب و المؤسسات الحکومیةإ. لا يمكن نسبة هذا الحراك كله إلى الثورة، لكن يصعب تجاهل دورها في فتح مجالات لم تكن متاحة بالقدر نفسه من قبل.
من الانتماء المحلي إلى الهوية الكوردستانية
جمعت الثورة أشخاصًا لم تكن وسائل النقل والاتصال في ذلك الزمن تتيح لهم عادة هذا القدر من الاختلاط. التقى القادم من خانقين بالقادم من زاخو، وعمل أبناء أربيل والسليمانية ودهوك مع كورد من هكاري وشمدينان و أورمیە وقامشلو. عاش هؤلاء معًا وتقاسموا المخاطر والعمل والهدف.
حتى اللهجات أصبحت جزءًا من التجربة. كان على الناس أن يفهم بعضهم بعضًا، فانتقلت كلمات وتعبيرات بين المناطق وتعرفوا مباشرة إلى لهجات لم يكونوا يسمعونها إلا نادرًا. لم تختفِ الخصوصيات المحلية، لكنها لم تعد الإطار الوحيد للانتماء.
أصبحت كوردستان لدى كثيرين أكثر من اسم أرض أو فكرة قومية مجردة؛ صارت أشخاصًا من مناطق بعيدة تجمعهم تجربة مشتركة. وكان بينهم الطالب والمثقف والمعلم والطبيب وأصحاب المهن، بما حملوه من أفكار عن الحقوق والديمقراطية والإدارة والعالم الخارجي. كما دفعت ظروف الحرب نساءً كثيرات إلى تحمل مسؤوليات أكبر في الإعالة والتعليم والصحة وإسناد البيشمركة.
من إدارة الثورة إلى تجربة الحكم
كلما اتسعت المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة العراقية، و ازدادت مساحة المناطق المحررة، وجدت قيادة الثورة نفسها أمام مسؤوليات لا يمكن إدارتها بالعمل العسكري وحده. كان هناك سكان يحتاجون إلى إدارة وشؤون يومية لا تنتظر نهاية الصراع. لذلک تأسس عام 1964 مجلس قيادة الثورة، ثم شُكّل مكتبه التنفيذي من أحد عشر عضوًا. ولم يكن المكتب إطارًا سياسيًا فقط، بل تولى جانبًا من إدارة المناطق الواقعة تحت سلطة الثورة، وأشرف على شؤون إدارية ومالية وقضائية وأمنية. بذلك بدأت تتكون، في ظروف الحرب وبإمكانات محدودة، نواة إدارة كوردية.
ازدادت أهمية هذه الخبرة بعد اتفاقية الحادي عشر من آذار 1970، إذ أتاحت السنوات الممتدة إلى عام 1974 مجالًا أوسع للعمل العلني وبناء الكوادر والتعامل مع مؤسسات الدولة والاستعداد للحكم الذاتي. لذلك لم تبدأ تجربة الحكم بعد انتفاضة 1991 وانتخابات 1992 من فراغ. كانت الظروف مختلفة والمسؤوليات أكبر، لكن ذاكرة سياسية وإدارية سبقت ذلك. فقد اختبرت الحركة الكوردية منذ ثورة أيلول معنى الانتقال من مقاومة السلطة إلى تحمل مسؤولية الناس وإدارة المناطق.
الدبلوماسية و الخروج بالقضية إلى العالم
أدرك مصطفى بارزاني مبكرًا أن القضية الكوردية لا يمكن أن تبقى محصورة بين الجبال وبغداد. لذلك خاطبت قيادة الثورة الأمم المتحدة، وراسلت رؤساء دول وشخصيات دولية، وسعت إلى إيصال مطالب الكورد إلى العالم. واختار لهذه المهمة شخصيات معروفة وكفوءة، لیکونوا ممثلین للثورة، من بينها عصمت شريف وانلي وكامران بدرخان. لم تكن وراء هؤلاء دولة أو سفارات، لكنهم امتلكوا اللغات والثقافة والعلاقات التي مكنتهم من مخاطبة السياسي والصحفي والدبلوماسي.
ومن خلال هذا العمل تعلمت الحركة مبكرًا حقيقة ستتكرر لاحقًا: الدول تنظر إلى القضايا من خلال مصالحها وحساباتها، وأن التعاطف شيء واتخاذ موقف سياسي شيء آخر.
الإعلام والثقافة: إيصال صوت الثورة
و في نفس السیاق و الایمان بضرورة العمل علی ایصال صوت الثورة الی الخارج و توعیة المواطنین و نشر اخبار الثورة، اولت الثورة اهمیة خاصة للإعلام و النشاط الثقافي ایضا،فقد استمرت جريدة «خەبات – النضال» في الصدور والوصول إلى المدن والقصبات والمناطق المحررة، بينما أدت مجلة «الكادر» دورًا في التثقيف السياسي والفكري. وفي عام 1963 افتُتحت إذاعة صوت كوردستان، فامتلكت الثورة وسيلة تعبر الجبال والمسافات، وتتيح للناس سماع أخبارها ومواقفها بصوتها بدلًا من الاعتماد على رواية الحكومة العراقية.
ورافقت الثورة أيضًا أعمال موسيقية ومسرحية وفنية أسهمت في التعبير عن القضية وصنع ذاكرة مشتركة. فبعض ما بقي في الوجدان الشعبي عن تلك السنوات لم تنقله الوثائق السياسية والعسكرية، بل حفظته أغنية أو قصيدة أو صورة ارتبطت بثورة أيلول. وهكذا لم تجمع الثورة أشخاصًا من مناطق مختلفة في الجبهة والتنظيم فقط، بل أنشأت مجالًا إعلاميًا وثقافيًا انتقلت عبره الأخبار والأفكار والرموز بين مناطق متباعدة من كوردستان.
كيف نقرأ ثورة أيلول اليوم؟
بعد خمسة وستين عامًا، لم يعد كافيًا أن نقرأ ثورة أيلول من خلال معاركها ومفاوضاتها وحدها. فقد جمعت أناسًا من بيئات مختلفة، وفتحت المجال أمام فئات جديدة، وأسهمت في بناء هوية كوردستانية أوسع، وأنشأت إدارة وإعلامًا وأوصلت القضية الكوردية إلى الخارج. كانت، إلى جانب كونها ثورة سياسية مسلحة، تجربة في بناء مقومات مجتمع يريد إدارة شؤونه بنفسه.
وتكشف تجربتها أن قوة أي قضية لا تأتي من جانب واحد. فقد احتاجت إلى البيشمركة، كما احتاجت إلى السياسي والمعلم والطبيب والإعلامي والدبلوماسي، وإلى من يدير حياة الناس. وكوردستان اليوم، بما لديها من حكومة وبرلمان وجامعات ومؤسسات وعلاقات خارجية، تحتاج إلى بناء قوتها من خلال كفاءة هذه المؤسسات وقدرتها على خدمة المجتمع.
كما كانت قدرة الثورة على جمع الكورد من مناطق وخلفيات مختلفة أحد مصادر قوتها. لم تطلب منهم التخلي عن مناطقهم ولهجاتهم وخصوصياتهم، بل وضعت إلى جانبها قضية أوسع تجمعهم. وربما تكون كوردستان اليوم أحوج ما تكون إلى هذا المعنى: أن الاختلاف السياسي والمناطقي والاجتماعي لا يناقض الانتماء الكوردستاني، وأن هذا الانتماء يقوى باستيعاب الاختلاف لا بإلغائه.
إن الوفاء لثورة أيلول لا يكون باستعادة صورتها كل عام فحسب، بل بتطوير ما أسهمت في تأسيسه. فالثورات تُقاس بما أنجزته في زمنها، وتُقرأ أيضًا بما تركته للأجيال اللاحقة. ومن هنا يأتي السؤال الذي ينبغي طرحه في ذكراها الخامسة والستين: ماذا نستطيع نحن أن نضيف إلى ما بدأه ذلك الجيل؟