تفجير الطاقات الشبابية بين أصالة الفلكلور وجرأة الحداثة: مهرجـان معهد الفنون الجميلة في دهوك الـ 27
عاش الوسط الثقافي والفني في مدينة دهوك على مدار اربعة ايام اجواء حماسية ابداعية استثنائية، تزامنا مع انطلاق فعاليات المهرجان السنوي السابع والعشرين لمعهد الفنون الجميلة، والذي احتضنته قاعات وحدائق المعهد المفتوحة تحت شعار بليغ الدلالة: "الخلق - الابتكار - بوجوه الحرية"، ليتحول هذا الحدث الاستثنائي الى منصة حية لتفجير طاقات شبابية واعدة لم تتجاوز عتبة العشرين من عمرها، بل ان بعضهم ما زال في السادسة عشرة، يخطون بثقة اولى خطواتهم الاحترافية نحو تشكيل ملامح المستقبل الفني الكوردي والعالمي، مدفوعين بآلية تنظيمية عالية المستوى اظهرت الاقسام الرئيسية من خلالها قدرة فائقة على مزج الفلكلور الكوردي الاصيل بروح الحداثة والمعاصرة، لتتحول الاقسام الى خلايا نحل موجهة ومحفزة لتلك المواهب اليافعة التي تقاسمت ادوار البطولة بين العلن وخلف الكواليس.
وقد افتتح قسم الموسيقى فعالياته بوصلات موسيقية وغنائية منوعة شكلت وجها حقيقيا للابداع الكوردي المتجدد، حيث تجلت في هذه المحطات قدرات الشباب العالية في مجالات الشعر والتلحين، والاداء الغنائي، والعزف الآلاتي المنوع لتقديم نتاج ابداعي حقيقي يبشر ولادة وجوه فنية قادمة وبقوة الى الساحة الثقافية من خلال مزج الارث النغمي المحلي بالتقنيات اللحنية الحديثة، توازيا مع ما شهده القسم التشكيلي في اروقة العرض وحدائق المعهد من نضج الافكار التي طرحها الطلبة عبر لوحات تشكيلية بابعاد وافكار عالمية تميزت ببراعة فائقة في تحريك الفرشاة واستخدام التقنيات اللونية الجمالية الفائقة، ولم يقتصر الابتكار على الرسم بل رافقه خلق فني لافت في مجال النحت قدم فيه الشباب والشابات مجسمات وتماثيل تنم عن وعي فني حداثي جمالي وفلسفي عميق، مما جعل حدائق وصالات العرض تزدان باعمال تركت الزائرين في حالة من الدهشة والذهول امام هذا العمق الفكري المبكر.
وفي ذات السياق الابداعي، اعلن قسم المسرح بكل ثقة عن بداية ظهور جيل جديد لا يمتلك موهبة الاداء التمثيلي فحسب، بل برزت فيه وجوه شابة وصغيرة من الطالبات والطلاب في مجال الاخراج المسرحي والسينوغرافيا والادارة الفنية؛ حيث انطلق العرض الاول باشراف الاستاذ روژ حكمت واخراج الطالبة ديرين عادل، التي استطاعت اعداد نص الكاتب البولوني سلافومير مروجيك وتحوير فكرته الرمزية والواقعية بذكاء مدهش ليتلاءم مع الواقع المعاش بشكل عام، موظفة الفكرة في قالب واقعي ساخر يقدم نقدا قاسيا للسلطة والعلاقات الانسانية ليوضح كيف يلتهم القوي الضعيف وان البقاء للاقوى في ظروف عبثية باحثة في ثنائية الوجود والحرية، وقد جسد هذا العمل تمثيلا مجموعة من الشباب الواعد وهم سيبان سكفان، وڤان كه كو، وتورين شعبان، واحمد وليد، وبه روز دلخوش، وئامه د غازي مع مجموعة من الكومبارس، وبمصاحبة رؤية موسيقية وضعها انس احمد، وبدعم لوجستي من مدير المسرح ساهي محي الدين، واشراف الاضاءة للاستاذ كاوة عزو وڤەدەر سعيد، وتنفيذ هندسي للاضاءة من قبل سامان بهزاد وروژهات نژیار ومحمد جهور، بينما تميز العرض بتصميم ازياء واعد صاغته هلبين وحيد ليعكس الهوية البصرية للشخصيات، مدعوما بديكور مميز وتشكيل فراغي صنع باشراف الاستاذ دلير زاهر ومجموعة من الطلاب البارعين ليتكامل العرض المسرحي بكل مقاييس الاتقان.
ولم يقل العرض الثاني ابداعا واسهاما في خلق انموذج مسرحي متكامل ورائع عن سابقه، اذ جاء باشراف الاستاذ فرست طاهر واخراج واعداد الطالبة ليلى سلمان، والتي واجهت ظرفا تعجيزيا استثنائيا بعد اعتذار احدى الطالبات في الرمق الاخير من البروفات، فما كان منها الا ان تصدت للدور بنفسها وادته ببراعة فائقة على خشبة المسرح، حيث اعدت عملا مستوحى من ادبيات الكاتب وليم سارويان الذي تتناول اعماله قضايا الهوية والاغتراب والبحث عن معنى الحياة بمزيج من السخرية والدفء الانساني، متهيئة لملائمة هذا النص العالمي مع واقع الاقليم بشكل مدهش ساهم في ابرازه اداء مسرحي اصيل ممزوج بالحداثة لثلة من الوجوه الشابة من قسم المسرح ومشاركة شاب من قسم الموسيقى، وجسد الادوار كل من مزكين يونس، ولاوه ند محمد، وريناس زبير، وليلى سلمان، ورمضان يونس، وهاكوب باسل سركيس الذي تولى ايضا صياغة المناخ الموسيقي، مدعومين بادارة مسرحية من ژێكر جمعة محمد وبمساعدة سمند محمود، واضاءة اشرف عليها الاستاذ كاوة عزو وڤەدەر سعيد مع مجموعة مساعدين، وديكور من ابداعات الطلاب جانه ر عارف وسيداد وارهيل وبه يوه ند صلاح، وبتقنية الداتاشو والمؤثرات البصرية التي نفذها هه فكار مشختى احمد، مع رؤية قماشية وتصميم ملابس متناغم تولته لولاف عمران.
أما العمل المسرحي الثالث فقد جاء باشراف الاستاذ شيرزاد عبدالله واخراج الطالبة لارفين بشير تحت عنوان "لحن في البحر"، والذي يعد من ابرز نصوص مسرح العبث الماخوذة عن الكاتب سلافومير مروجيك، حيث استطاعت المخرجة توظيف الفكرة بشكل رائع مزجت فيه الواقعية الجدلية بالسخرية السوداء والقاسية لتشريح غريزة البقاء من خلال قصة ثلاثة اشخاص يتقطع بهم السبل على متن قارب في عرض البحر بعد نفاد مؤونتهم، فيبحثون عن حل للبقاء عبر تضحية احدهم ليكون طعاما للاخرين في نقد لاذع يوضح كيف تلتهم القوة الفئات الاضعف حتى في اكثر الظروف عبثية، وقد ادى شخصيات العمل بحرفية عالية الممثلون نيبەل علي، وئهرجان هيثم، وان بهرهفان، تساندهم ملابس بتعبيرات درامية من تصميم سندس سعيد وموسيقى تعبيرية لـ خالد هفال، وبتنظيم اداري وتقني قاده مدير المسرح ريان زياد والمساعد ره فند طاهر، وديكور من تنفيذ محمد سالم، واضاءة متقنة باشراف الاستاذ كاوة عزو وڤەدەر سعيد ومجموعة من الطلبة البارعين الذين ساهموا بقوة في اظهار العمل بشكل رائع ومتكامل.
وفي الختام، اثبت المهرجان الـ 27 لمعهد الفنون الجميلة في دهوك انه ليس مجرد نشاط سنوي عابر، بل هو مصنع حقيقي للخامات الادبية والفنية الشابة التي تمتلك مستقبلا واعدا؛ اذ اطلقت هذه الطاقات التي لم تعد تتجاوز العشرين عاما صرخة ابداعية جمالية وفلسفية تؤكد قدرتها الفائقة على تقديم فن كوردي وفن عالمي اصيل وراقي، وهو ما يستوجب الالتفات اليهم ومد يد العون والرعاية المستدامة لتطوير هذه المشاريع ومواصلة رفد الحركة الثقافية بالطاقات المتجددة.
لم يكن نجاح المهرجان محض عشوائية، بل نظم بفضل الدور الفعال للإدارة ورؤساء الأقسام والمدرسين الذين أشرفوا على الأعمال في ظروف صعبة، هم من وضحوا الآلية المنظمة التي سمحت بتفجير الطاقات الشبابية، وحافظوا على دمج الفلكور الكوردي الأصيل مع الحداثة في كل قسم.. تنسيقهم بين الموسيقى، التشكيل، والمسرح، ودعمهم البروفات والإخراج والتمثيل، جعل المهرجان صانعا لخامات فنية شابة ذات مستقبل واعد.