في خضم التحولات الجيوسياسية التي تعصف بالشرق الأوسط، تبدو العلاقات التركية العراقية أمام فرصة تاريخية للانتقال من مرحلة إدارة الملفات المشتركة إلى مرحلة بناء شراكة استراتيجية حقيقية، قوامها المصالح المتبادلة، والاحترام المتبادل، والرؤية المشتركة لمستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً.
وتأتي زيارة الرئيس العراقي علي الزيدي إلى تركيا ولقاؤه بالرئيس رجب طيب أردوغان في توقيت بالغ الأهمية، حيث تواجه المنطقة تحديات أمنية واقتصادية غير مسبوقة، تفرض على دولها إعادة صياغة أولوياتها، والانطلاق نحو التعاون بدلاً من الصراع، وإعلاء لغة المصالح على حساب الخلافات.
لقد حملت الزيارة رسائل سياسية واقتصادية واضحة، كان أبرزها توقيع خمس اتفاقيات للتعاون في مجالات الاقتصاد والتجارة والأمن ومكافحة الإرهاب، وهي اتفاقيات تعكس إرادة مشتركة لفتح صفحة جديدة في العلاقات الثنائية، تقوم على الشراكة الاستراتيجية لا على التعاون الظرفي.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه هو التوجه نحو تعزيز التعاون في قطاع الطاقة، مع الحديث عن الموافقة على توريد ما يصل إلى مليون برميل من النفط العراقي يومياً عبر تركيا. وإذا ما جرى تنفيذ هذه الخطوة وفق الأطر الفنية والاتفاقات النهائية، فإنها ستشكل تحولاً مهماً في العلاقات الاقتصادية بين البلدين، وستعزز مكانة العراق كمصدر رئيسي للطاقة، كما سترسخ دور تركيا بوصفها ممراً استراتيجياً لنقل الطاقة إلى الأسواق الأوروبية والعالمية.
إن الجغرافيا كثيراً ما تفرض حقائق لا يمكن تجاوزها. فالعراق وتركيا لا تجمعهما حدود مشتركة فحسب، بل يرتبطان بتاريخ طويل من العلاقات الإنسانية والثقافية والتجارية، وهو ما يجعل أي تقارب بينهما مكسباً للجانبين، بل وللمنطقة بأسرها.
وعلى الصعيد الأمني، يدرك البلدان أن التحديات العابرة للحدود، وفي مقدمتها الإرهاب والجريمة المنظمة وشبكات التهريب، لا يمكن مواجهتها إلا عبر التنسيق المشترك وتبادل المعلومات الأمنية وتعزيز الثقة بين المؤسسات المختصة. إن الأمن لم يعد شأناً داخلياً لدولة واحدة، بل أصبح مسؤولية إقليمية تتطلب تعاوناً حقيقياً بين الدول المتجاورة.
أما اقتصادياً، فإن فرص التكامل بين العراق وتركيا تبدو واعدة إلى حد كبير. فتركيا تمتلك قاعدة صناعية متقدمة وخبرات واسعة في مجالات الإنشاءات والنقل والطاقة والصناعات الدفاعية، بينما يمتلك العراق ثروات طبيعية هائلة وسوقاً كبيرة تحتاج إلى الاستثمار وإعادة الإعمار. وعندما تتكامل هذه الإمكانات، فإن النتائج ستكون إيجابية على النمو الاقتصادي وفرص العمل وحركة التجارة والاستثمار.
ولا يمكن الحديث عن مستقبل العلاقات التركية العراقية دون التوقف عند مشروع "طريق التنمية"، الذي يُعد أحد أكثر المشاريع الاستراتيجية طموحاً في المنطقة. فهذا المشروع لا يقتصر على إنشاء شبكة حديثة من الطرق والسكك الحديدية، بل يمثل رؤية اقتصادية متكاملة لتحويل العراق وتركيا إلى مركز لوجستي يربط الخليج العربي بأوروبا، الأمر الذي سيعيد رسم خريطة التجارة الدولية، ويمنح البلدين مكانة اقتصادية متقدمة.
لقد أثبتت التجارب أن الدول التي تبني اقتصادها على التعاون والانفتاح تكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات، وأكثر جذباً للاستثمارات، وأكثر تأثيراً في محيطها الإقليمي. ومن هنا، فإن التقارب بين بغداد وأنقرة لا ينبغي النظر إليه باعتباره اتفاقاً ثنائياً فحسب، بل باعتباره نموذجاً يمكن أن تحتذي به دول المنطقة في بناء علاقات تقوم على التنمية المشتركة بدلاً من الصراعات المستمرة.
إن شعوب المنطقة لم تعد تبحث عن المزيد من الأزمات، بل تتطلع إلى مشاريع تنموية، وفرص عمل، واستثمارات، وشبكات نقل حديثة، وأسواق مفتوحة، وتعاون اقتصادي ينعكس على مستوى معيشة المواطن. وهذه الأهداف لا يمكن تحقيقها إلا من خلال شراكات حقيقية قائمة على المصالح المشتركة والرؤية بعيدة المدى.
ومن هذا المنطلق، فإن زيارة الرئيس العراقي إلى تركيا تمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، ليس لأنها أفضت إلى توقيع اتفاقيات مهمة فحسب، بل لأنها تؤسس لمرحلة جديدة من الثقة والتفاهم بين بلدين تجمعهما روابط التاريخ والجغرافيا والدين والمصالح.
ويبقى الرهان الحقيقي اليوم على تحويل هذه الاتفاقيات إلى مشاريع ملموسة يشعر المواطن العراقي والتركي بثمارها، لأن نجاح العلاقات الدولية لا يُقاس بعدد البيانات المشتركة، وإنما بما تحققه من تنمية واستقرار وازدهار للشعوب.
لقد آن الأوان لأن تنتصر لغة التعاون على لغة الخلاف، وأن يصبح التكامل الاقتصادي بين الدول الإسلامية خياراً استراتيجياً لا مجرد شعار سياسي. فكل خطوة نحو التعاون بين تركيا والعراق هي خطوة نحو شرق أوسط أكثر استقراراً، وأكثر قدرة على صناعة مستقبله بإرادته وإمكاناته.