في الدول التي تسعى إلى بناء مؤسسات قوية يكون التواصل بين المواطن والسلطة التنفيذية أحد أهم مؤشرات احترام الدولة لشعبها وحين يرسل مواطن رسالة رسمية إلى مكتب رئيس الوزراء تتضمن حلولاً أو مقترحات أو مطالب فمن أبسط حقوقه أن يتلقى إشعاراً بوصول الرسالة حتى لو لم يبت في مضمونها بعد ، لكن حين لا يصل الرد ولا حتى تأكيد الاستلام فإن السؤال يصبح أكبر من مجرد رسالة ، هل تعمل مؤسسات الدولة بطريقة تسمح بتطوير العراق؟

أولاً :

مشكلة التواصل بين المواطن ومكتب رئيس الوزراء

وفقاً للمنافذ الرسمية التي أعلنها مكتب رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي للتواصل مع المواطنين فإن الرسائل تستقبل عبر :

البريد الإلكتروني الرسمي لشؤون المواطنين pmo.ca@pmo.gov.iq

الخط الساخن (5600)

خدمة واتساب على الرقم (07700229999)

هذه القنوات وضعت لضمان وصول طلبات المواطنين مع شروط واضحة لقبول الطلبات مثل وضوح الموضوع ، إرفاق المستمسكات وتوفير وسيلة اتصال ، لكن المشكلة ليست في وجود القنوات بل في فاعليتها . عدم الرد على رسالة رسمية حتى لو كانت مستوفية للشروط يعكس خللاً في واحدة من أهم وظائف الدولة الا وهي الاستماع للمواطن .

 

ثانياً :

حتى مع وجود قنوات رسمية فإن المؤسسات العراقية تعاني من بطء الإجراءات وغياب الرقابة الفعالة وضعف ثقافة خدمة المواطن وغياب نظام تتبع إلكتروني للطلبات وأزمة ثقة بين المواطن والدولة . إن العراق يعاني من تراجع الثقة الشعبية بالنظام السياسي بسبب الفساد ، البطالة ، ضعف الخدمات وتضارب مراكز القرار ،  وحين لا ترد الرسائل تتعمق هذه الأزمة .

ثالثاً :

كيف يمكن أن يتطور العراق إذا بقيت هذه الطريقة في الحكم؟

لا يمكن لأي دولة أن تتطور دون إدارة فعالة ، فالتنمية تحتاج إلى مؤسسات تستقبل طلبات المواطنين وترد عليها وشفافية في الإجراءات واحترام الوقت والقانون ونظام إداري يضع المواطن في المركز ، غياب هذه العناصر يجعل التطور مجرد شعار .

يمكن للعراق أن يبني آلاف المشاريع لكن إذا بقيت الإدارة ضعيفة فإن هذه المشاريع ستنهار أو تهمل أو تسرق . يجب على الحكومة العراقية إنشاء نظام إلكتروني موحد لتتبع رسائل المواطنين مثل الأنظمة المستخدمة في الدول المتقدمة بحيث يحصل المواطن على رقم تتبع ، إشعار بوصول الرسالة ، مدة زمنية للرد وجهة مسؤولة عن المتابعة وتفعيل الرقابة على مكاتب الوزراء ، ويجب أن تكون هناك جهة رقابية مستقلة تراقب عدد الرسائل الواردة وعدد الرسائل التي تم الرد عليها ومدة الرد و أسباب التأخير . فخدمة المواطن ليست مجاملة بل جزء من بناء الدولة .

 والجدير بالذكر لا يمكن أن تتطور الدولة إذا بقيت المؤسسات مشغولة بالصراعات بين الأحزاب وعدم إشراك المواطنين في صنع القرار ، يمكن إشراك المواطنين من خلال منصات استشارة عامة واستطلاعات رأي وجلسات استماع ومبادرات مجتمعية .

إن عدم الرد على رسائل المواطنين ليس خطأً فردياً بل هو عرض لمرض أكبر في الإدارة العراقية ، ضعف التواصل وغياب المتابعة وانشغال الدولة بصراعاتها وعدم احترام وقت المواطن وغياب ثقافة الاعتراف بالمبادرات الفردية وهذا بالضبط ما يمنع العراق من التطور .

إن تطوير العراق لا يبدأ من النفط ولا من العلاقات الدولية ولا من المشاريع العملاقة بل يبدأ من احترام المواطن ومن الرد على رسائله ومن الاستماع إلى أفكاره ومن بناء مؤسسات تعمل بانتظام لا بمزاج سياسي ، فحين تصبح رسالة المواطن مهمة يصبح الوطن نفسه مهماً .