في الساعات الأولى من يوم 26 نيسان 1986، مزّق انفجاران المفاعل الرابع في محطة تشيرنوبل للطاقة النووية في أوكرانيا. دُمّر المفاعل بالكامل. ووفقًا للعلماء، كان إجمالي الإطلاق الإشعاعي أكبر بثلاثين مرة من القنبلة الذرية التي أُلقيت على هيروشيما. وانتشرت سحابة من الغبار المشع عبر أوروبا.
لكن الانفجار الرئيسي في تلك الليلة لم يكن المفاعل، بل كان الكذبة.
لم يعرف العالم شيئًا عن الكارثة لمدة يومين. لم يصدر أول إنذار من الدولة السوفيتية، بل من أجهزة الكشف في مختبرات نووية في اسكندنافيا، التي رصدت الإشعاع الغريب بنفسها، مما أجبر موسكو على الاعتراف. وعندما لم يعد الصمت ممكنًا، اكتفى التلفزيون المركزي السوفيتي بأربع جمل جافة، دون الإشارة إلى مستوى الخطر، أو حجم التسرب، أو تقديم أي نصيحة للأمهات أو الأطباء.
في 1 أيار 1986، تغيّر اتجاه الرياح نحو كييف، وارتفعت مستويات الإشعاع بشكل حاد في العاصمة الأوكرانية. وفي صباح ذلك اليوم نفسه، أخرجت السلطات السوفيتية مئات الآلاف من الناس — بينهم تلاميذ يحملون الزهور — إلى شارع خريشاتيك، الشارع الرئيسي في المدينة، للمشاركة في عرض عيد العمال التقليدي. رفضت موسكو إلغاءه. سار الناس تحت مطر إشعاعي غير مرئي لسبب واحد فقط: لكي تتمكن الدعاية السوفيتية من إقناع العالم بأن شيئًا خطيرًا لم يحدث في تشيرنوبل.
جاء أول تصريح علني لزعيم البلاد بعد 18 يومًا من الانفجار، في 14 أيار، عبر خطاب متلفز للأمين العام للحزب الشيوعي السوفيتي ميخائيل غورباتشوف. لم يتضمن أي اعتذار لشعبه، بل احتوى على لومٍ مضاد موجّه للغرب. قال حرفيًا: «وجدنا أنفسنا أمام جبل من الأكاذيب — وقحة وخبيثة…». وبعد أربعين عامًا، لا تزال نفس الصيغة — نحن ضحايا أكاذيب الآخرين، ولسنا مصدرها — تتكرر في مؤتمرات وزارة الخارجية الروسية اليوم. وهذا ليس صدفة، بل هو نهج نظام واحد عبر جيلين.
في أيار نفسه من عام 1986، أصدرت وزارة الصحة السوفيتية تعليمات بأن يُكتب في ملفات المرضى الذين تظهر عليهم أعراض التسمم الإشعاعي تشخيص «خلل التوتر الوعائي النباتي» — وهو مصطلح عام يُستخدم كغطاء لما يمكن تسميته بـ«الأعصاب». كان الناس يموتون بسبب الإشعاع، بينما تنكر سجلاتهم الطبية وجوده. لم يكن ذلك خللًا في النظام، بل كان هو النظام نفسه — نظام قائم على الكذب.
نفس الأسلوب — في ساحات حرب اليوم
انهار الاتحاد السوفيتي عام 1991، وكان من بين أسباب انهياره — كما يعترف حتى مؤرخون روس — كارثة تشيرنوبل. لكن أسلوب الحكم القائم على استبدال الحقيقة بالكذب انتقل إلى النظام الذي تلاه.
الدولة نفسها التي كتبت «خلل التوتر الوعائي» بدل «مرض إشعاعي» قالت في 2014 «نحن غير موجودين هناك» بشأن القرم، وفي شباط 2022 أكدت «نحن لا نهاجم أحدًا» قبل ساعات من غزو أوكرانيا. وفي اليوم الأول من الغزو، سيطرت القوات الروسية على منطقة عزل تشيرنوبل واحتجزت العاملين فيها رهائن. كما حفر الجنود خنادق في «الغابة الحمراء» — إحدى أكثر المناطق تلوثًا إشعاعيًا في العالم — وتعرضوا لجرعات إشعاعية دون تحذير من قيادتهم. وعند انسحابهم في آذار 2022، اختطفوا 169 عنصرًا من الحرس الوطني الأوكراني، ولم يعد جميعهم حتى الآن.
في شباط 2025، ضربت طائرة مسيّرة روسية الهيكل الواقي الجديد فوق المفاعل الرابع المدمر — وهو أكبر منشأة هندسية متحركة في العالم، بُنيت لمنع تسرب إشعاعي جديد. وهناك أيضًا محطة زابوريجيا النووية، الأكبر في أوروبا، التي سيطرت عليها روسيا عام 2022: ولأول مرة في التاريخ، تقع محطة نووية عاملة بيد دولة مهاجمة. شهدت المنطقة زرع ألغام، وقصفًا من داخلها، واختطافًا وتعذيبًا للعمال الأوكرانيين. وخلال الشتاء الماضي، حلّقت طائرات مسيّرة روسية فوق جميع محطات الطاقة النووية العاملة في أوكرانيا، مما وضع أوروبا على حافة كارثة جديدة في كل مرة.
لماذا وصلت هذه الكذبة نفسها إلى العراق الآن
عزيزي القارئ العراقي، اسمح لي أن أتحدث إليك بصراحة. نفس أسلوب التضليل الذي جُرّب عام 1986 على أطفال أوكرانيا، يُستخدم اليوم في 2026 لاستهداف أبنائكم.
في الآونة الأخيرة، ازدادت نشاطات شبكات التجنيد المرتبطة بروسيا. عبر وسطاء وهميين ووسائل التواصل الاجتماعي ووكلاء عمل مزيفين، يُعرض على الشباب العراقي «عمل أمني» أو «خدمة فنية» أو «عقد في روسيا» مع وعود برواتب جيدة وإجراءات سهلة وظروف آمنة. يسافر الشباب، ليجدوا أنفسهم في الخطوط الأمامية لأعنف حرب في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية — دون تدريب، ودون معرفة باللغة، وغالبًا دون طريق للعودة.
إنها الدولة نفسها التي أقنعت الأمهات سابقًا بأن «لا شيء خطير حدث». واليوم تُخاطب الأمهات العراقيات بنفس الأسلوب. الأم التي تدفن ابنها بسبب خداع، والأم التي دفنت ضحية تشيرنوبل بتشخيص مزيف، هما — بشكل ما — أم واحدة، وعدوهما واحد.
موقف الحكومة العراقية الذي يمنحني الأمل
من واجبي أن أقول بوضوح: الحكومة العراقية لا تتجاهل هذه المشكلة. تحذّر وزارات الخارجية والداخلية الجهات المختصة المواطنين من مخاطر عروض العمل في روسيا، وتحقق في شبكات التجنيد، وتلاحق المتورطين قضائيًا. هذا موقف دولة مسؤولة تحمي مواطنيها — وهو ما فشلت فيه السلطات السوفيتية عام 1986.
ترحب أوكرانيا بهذا الموقف وتدعمه، وهي مستعدة للتعاون مع العراق عبر تبادل المعلومات والمساعدة في التحقيقات وكشف الوسطاء. إن إنقاذ أي شاب عراقي من الذهاب إلى الجبهة هو انتصار للحقيقة على الخداع.
ما الذي أطلبه من القارئ العراقي
أولًا: إذا عُرض على أي شخص من عائلتك أو محيطك «عقد في روسيا» أو «عمل سريع» — أوقفه. وضّح له الحقيقة: من يسافر بهذا الشكل قد يجد نفسه في جبهة الحرب، وليس في وظيفة.
ثانيًا: ثق بدولتك. عندما تحذر الجهات الأمنية وتلاحق الشبكات، فهي تنقذ الأرواح.
ثالثًا: تذكّر تشيرنوبل. لأن تذكرها اليوم لم يعد مجرد درس تاريخي، بل هو وعيٌ بكذبة بدأت في موسكو عام 1986، ومرت عبر القرم في 2014، وتحوّلت إلى غزو شامل في 2022، وهي اليوم تطرق أبوابكم عبر إعلانات عمل مزيفة.
إيفان دوڤهانيش، السفير فوق العادة والمفوض لأوكرانيا لدى جمهورية العراق