لطالما كانت الأسواق المركزية في الذاكرة العراقية صمام أمان للطبقة الوسطى وذوي الدخل المحدود، واليوم تعود هذه المؤسسات برداء 'الهايبر ماركت' في المناطق السكنية، لتؤدي دورا في ترميم القوة الشرائية المتهالكة للموظفين والمتقاعدين.

 إن دمج أنظمة الدفع الإلكتروني وتسهيلات التقسيط في بيئة تسوق عصرية يمثل انتقالة نوعية تهدف إلى إنهاء حقبة اقتصاد العشوائيات، الذي جسدته البسطات غير المنظمة.

يمثل تحول الأسواق المركزية إلى نظام "التعاون هايبر ماركت" في بغداد مع خطط توسع لتشمل محافظات أخرى، انعطافة في اساليب إدارة السوق المحلية، لا سيما في ظل التذبذبات السعرية التي شهدها العراق مؤخرا في سبيل ترسيخ مبدأ الدولة كضامنة وكبح جماح الاحتكار، فلطالما عانى المستهلك العراقي من سيطرة كبار التجار على سلاسل التوريد، مما يؤدي إلى قفزات مفاجئة في الأسعار ارتباطا في معظم الأحيان بتذبذب سعر صرف الدولار. 

في تصريح سابق للمتحدث الرسمي باسم وزارة التجارة، قال إن "الوزارة تمضي قدما في تطوير تجربة الأسواق المركزية الحديثة (الهايبر ماركت) وفق رؤية تهدف إلى ترسيخ حضور الدولة كلاعب ضامن في سوق التجزئة، وتوفير بيئة تسويقية متكاملة تدعم المنتج الوطني وتطرح خيارات استهلاكية واسعة بأسعار تنافسية".

ان الأهداف المفترضة من انشاء أسواق الهايبر ماركت تتضمن طرح السلع بأسعار مدعومة تصل أحيانا إلى تخفيض بنسبة 20% عن السوق الموازي، ما يجبر تجار التجزئة في المناطق المجاورة على ضبط أسعارهم للبقاء في المنافسة، 

وتوفر هذه المراكز مخازن استراتيجية تضمن تدفق السلع حتى في أوقات الأزمات الاقليمية والعالمية أو تقلبات سعر الصرف.

يهدف عمل تلك الأسواق الى تنظيم فوضى الأسواق التقليدية اذ تشهد بغداد تاريخيا نمطا تسوقيا يتسم بالعشوائية، في مظاهر البسطات، وضيق ممرات التسوق، وغياب الرقابة الصحية. الهايبر ماركت يطور التجربة الفردية عبر توفير مواقف سيارات، وتكييف، ونظام تصنيف دقيق للسلع، مما يقلل من الجهد والوقت الضائع في التنقل بين الأسواق الشعبية المكتظة.

 ويجري في الهايبر ماركت استعمال "الباركود" وأنظمة الدفع الإلكتروني (ماستر كارد وكي كارد) بما ينهي المساومة على السعر ويوفر "فواتير" دقيقة تضمن حقوق المستهلك؛ وعبر منح الأولوية للصناعات العراقية مثل الألبان، والمنظفات، والمواد الغذائية، يؤدي ذلك الى تواجد أسعار تنافسية.

كما يجري توفير السلع المعمرة مثل الأجهزة الكهربائية والمنزلية بالتقسيط المريح للموظفين والمشمولين بالرعاية الاجتماعية، وهو ما لا يتوفر عادة في محال التجزئة الصغيرة.

وبرغم الإيجابيات، يرى مراقبون أن هذا التطور يواجه تحديات حقيقية من ذلك المنافسة مع محال البقالة في المناطق، فقد يؤثر انتشار هذه المراكز الكبيرة على سبل عيش صغار الكسبة في الأحياء السكنية، التي يعتمد عليهم العراقيون في التسوق اليومي بالآجل أو للقرب الجغرافي، كما ان نجاح هذه التجربة يعتمد كليا على كفاءة الإدارة الحكومية في التحديث المستمر وتجنب الترهل الإداري الذي أصاب الأسواق المركزية في العقود الماضية.

بالمجمل، يمثل هذا التوجه محاولة لمواجهة أزمات الاقتصاد، وهو ما قد ينهي تدريجيا حالة عدم انتظام الأسعار في بغداد إذا ما جرى التوسع فيه ليشمل جميع المناطق المحرومة من الخدمات.

وتتوزع مراكز هايبر ماركت في جانبي الكرخ والرصافة من بغداد، وقد جرى تأهيلها لتكون مجمعات تسويقية ضخمة متعددة الطوابق تضم مواد غذائية، ومنزلية، وأجهزة كهربائية، وحتى مطاعم وكافيهات، وفروعها تتواجد في مناطق البياع، والحرية والصالحية وشارع فلسطين وجميلة   والشعب وفرع مدينة الصدر. 

وأدخلت الوزارة أنظمة دفع وتسهيلات مالية غير مسبوقة لتشجيع التسوق من هذه المراكز من ذلك   التقسيط للموظفين والمتقاعدين، اذ يمكن شراء السلع المعمرة من الاجهزة الكهربائية، والأثاث، والمواد الإنشائية بنظام الأجل، وتتراوح مدد السداد بين 3 إلى 5 سنوات، وقد تصل في بعض الحالات إلى 10 سنوات، وذلك بالتنسيق مع المصارف الحكومية.

 وهناك امتيازات خاصة للمشمولين بشبكة الحماية الاجتماعية، اذ تصل نسبة التخفيضات لبعض السلع إلى 30% لدعم الفئات الأكثر احتياجا.

وبحسب تقارير ميدانية فان سلة التسوق التي تكلف 150 ألف دينار في السوق الشعبي، يمكن تأمينها بنحو 100 ألف دينار في داخل هذه المراكز بنتيجة الدعم الحكومي والبيع المباشر، وتخضع جميع المواد المعروضة لرقابة من قبل وزارة التجارة وجهاز السيطرة النوعية، مما ينهي مخاوف التلاعب بالمنشأ أو تواريخ الصلاحية.

لإتمام عملية الشراء للموظفين بنظام التقسيط تتطلب الإجراءات عادة ملفا إداريا يضمن حقوق الطرفين، وغالبا ما يجري هذا التعاون بالتنسيق مع المصارف الحكومية (الرافدين أو الرشيد) أو عبر شركات الدفع الإلكتروني.

وتطلب من الشاري من الموظفين البطاقة الوطنية الموحدة وبطاقة السكن وهوية الدائرة او الباج الوظيفي وكتاب تأييد استمرار بالخدمة، معنون إلى إدارة السوق المركزي المعني، أو المصرف الممول، يدرج فيه مقدار الراتب الكلي والاسمي، وتاريخ التعيين وبيان راتب تفصيلي، يوضح الاستقطاعات الحالية إن وجدت، لضمان أن القسط الجديد لا يتجاوز النسبة المسموح بها من صافي الراتب.

كما تطلب بطاقة الدفع الإلكتروني (ماستركارد او كي كارد)، التي يتسلم عبرها الموظف راتبه الشهري، اذ يجري تفعيل الاستقطاع الآلي منها؛ وفي كثير من الأحيان، تتطلب العملية تواجد كفيل ضامن، موظف مدني على الملاك الدائم، يقدم تأييد راتب مع مستمسكات شخصية، وبعض العروض الحديثة التي تعتمد على سلف البطاقة الإلكترونية قد تعفي الموظف من شرط الكفيل إذا كان القسط يغطي قيمة المنتج ضمن سقف الراتب.

مقدار الفائدة عادة بين 4% إلى 7% سنويا بحسب الجهة الممولة ومدة السداد "3 أشهر، 6 أشهر، أو 12 شهرا"؛ والسلع في الأسواق المركزية "هايبر ماركت" غالبا ما تأتي بضمان حقيقي لعام أو أكثر، بدفتر ضمان مختوم من إدارة السوق.