يختتمُ النظامُ الإيراني حوالي 47 سنة من حكمه، ويسدلُ الستارَ عن حُقبتهِ الفارسيةِ المتشيعةِ، ليتأسّسَ نظامٌ فارسيٌّ في إيران يتناغمُ مع وَتَرِ المشروعِ اليهودي اليميني المُتديّن، بعيدًا عن المشروع الصفوي، الفارسي المُتشيّع.. وقد أشرتُ إلى ذلك مرارًا في كتاباتي السابقة، إلا أنّنا بدأنا نلمسُ هذه الحقيقيةَ في الأشهر الأخيرة من العام الماضي، وبدأَتْ تَتجلّى هذه الأيام من خلال تصريحات بعض المسؤولين الأمريكيّين والإسرائيليّين.

فعندما سُئِلَ ترامب عمّا يمكنُ أنْ تفعلَه إيرانُ لتجنّبِ هجومٍ عسكري أمريكي مُحتمَلٍ، قال: أعطونا الاتفاق الذي كان ينبغي عليهم تقديمه لنا من البداية. إذا قدّموا لنا الاتفاق المناسب، فلن نفعل ذلك. مُعربًا، في نفس الوقت، عن تشاؤمه حيال المفاوضات الجارية مع إيران بشأن اتفاق نووي مُحتمَل، مؤكّدًا أنّ الإيرانيين لا يملكون سجلًّا حافلا بالإنجازات في هذا الشأن.

وأضافَ ترامب: إنَّ تغييرَ النظام في إيران قد يكون أفضل ما يُمكن أنْ يحدثَ، مُشيرًا إلى أنّ المسؤولين الإيرانيين يريدون الحوارَ ولكنّهم، حتى الآن، يُكثِرون الكلامَ دون أيِّ فعل.

وسُئِلَ ترامب، كذلك، عمّنْ يمكن أنْ يخلُفَ المرشدَ الإيراني علي خامنئي، فأجاب مُكتفيًا بالقول: "هناك أشخاص"، في إشارة صريحة إلى استهدافه، كما وأشار إلى استهداف المنشآت النووية الإيرانية المتبقّية والتي كانت قد استُهدٍفَتْ قبل أشهر.

وذكرَ ترامب، أيضًا، أنّه على الأرجح ستَستولي أمريكا على ما تبقّى من المنشآت النووية الإيرانية، مُضيفًا: أنّ ذلك، قاصدًا تفكيك البرنامج النووي الإيراني، هو أقل ما يمكنُ تحقيقُه في المُهمّة، إذا فعلنا ذلك.

وفي مَعرِض حديثه عن التغيير المُزمَع إجراؤُه في إيران، قال ترامب: سيكون جيدا إذا تمكنّا من تسوية الأمر مرة واحدة وإلى الأبد بشأن إيران.. في إشارة واضحة إلى أنّ قرارَ تصفية الذهنية الحاكمة في إيران قد اتُّخِذَ، وأن ما يتمُّ حسابُه الآن هو مآلاتُ هذه التصفية.

ويبدو أنّ موقفَ ترامب هذا، جاءَ بعد أنْ باتتِ الإدارةُ الأمريكية ترى في بقاء النظام الإيراني الحالي عائقًا أمامَ الصفقةِ الإسرائيلية الكبرى في الشرق الأوسط، والاستقرارِ العالمي.

أما على الجانب الإسرائيلي، فقد ذكرت وسائلُ إعلامٍ إسرائيلية أنّ الرئيسَ الأمريكي لا يزالُ مُهتمًّا بإجراء مفاوضاتٍ مع إيران، إلا أنّ صبرَه بدأ ينفدُ، وهناك قناعةٌ لدى نتنياهو والمنظومةِ الأمنية الإسرائيلية بأنّ الاتفاقَ مع إيران لن يُوقَّعَ، في وقتٍ، يتعارضُ فيه هذا التقديرُ أو القناعةُ مع حالة التفاؤل التي تُبديها إدارةُ ترامب إزاءَ مسارِ المفاوضات مع طهران.

لكنّ الاجتماعَ الذي عقدَه نتنياهو مع قادة الأجهزة الأمنية فورَ عودتِه من واشنطن يُؤشِّرُ، بجَلاءٍ، إلى أنّه خلال لقائه مع ترامب تمَّ الاتفاقُ على مواصلة الضغط على إيران بالتوازي مع استمرار مسارِ المفاوضات، الذي شدّدَ نتانياهو على أنّه مسارٌ يجبُ أنْ يشملَ تحقيقَ العناصر الحيوية لإسرائيل.

وعلى الصعيد العسكري، فقد أفادَ مسؤولون أمريكيون بأنّ الجيشَ الأمريكي يُجهّزُ نفسَه لاحتمال شنِّ عملياتٍ عسكرية طويلةِ الأمَدِ ضدّ إيران، إذا أصدرَ ترامب أوامرَه بذلك، وأنّ هذه الاستعداداتِ تُزِيدُ من حدّة التوتّرِ في مسار المفاوضات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران، وأنّ التخطيطَ الجاري هذه المرة أكثرُ تعقيدًا مقارنةً بالعمليات السابقة، إذ قد تستهدفُ القواتُ الأمريكية منشآتِ الدولة والأمنِ الإيرانية، وليس فقط البنيةَ التحتيةَ النووية.

وأشارَ المسؤولون الأمريكيون إلى أنّ الإدارةَ الأمريكية تَتوقَّعُ ردَّ فعلٍ اِنتقاميٍّ من إيران، ممّا يفتحُ البابَ لتبادلِ الضربات على مدى فترةٍ زمنيةٍ قد لا تكونُ قصيرةً.

من جهتِه، حذّرَ النظامُ الإيراني من أنّ ردَّه سيكونُ قاسيًا إذا قامتْ أمريكا بشنِّ هجومٍ عسكري على إيران، لكنّ النظامَ الإيراني نفسَه، والحرسَ الثوري، وتيارَ المحافظين، يتشكَّلُ من تَوجُّهَينِ رئيسيَّينِ، تَوجّهٌ ثوريٌّ مُتشدِّدٌ يقودُ محورَ المقاومة، ويتسلّطُ على سياسةِ واقتصادِ ومُقدَّراتِ إيران، ويربطُ مصيرَ إيران بمصيره، ويدفعُ البلاد إلى الحرب والمواجَهة.. وتَوجُّهٌ مُعتدِلٌ يَسعى إلى السّلم، والانكماش الذاتي، والتفرُّغِ لتعزيز البُنية الاقتصادية والسياسية الداخلية.

يسعى ترامب، من خلال المفاوضات تحت مَظلّة الأساطيل والحصار الاقتصادي، أنْ يدفعَ الخامنئي إلى ترجيحِ التوجّهِ المُعتدِلِ داخلَ الحرسِ الثوري وتيارِ المحافظين، والقبولِ باتّفاقٍ يؤسّسُ لنظامٍ جديدٍ، بذِهنيَّةٍ جديدةٍ تقودُ البلادَ، ضمنَ رقعة الشطرنج في الشرق الأوسط.. وأعتقدُ أنّ الخامنئي يُرجِّحُ هذا التوجّهَ في قَرارةِ نفسِه، حِفاظًا على مشروعه الفارسي المتشيع، إلا أنّه لا يستطيعُ الإفصاحَ عنه، أو الترويجَ له، لأنّه يعلمُ جيدا أنّ التيارَ الثوري المُتشدّدَ سوف لا يَنصاعُ لأمرِه، فهذا التيارُ لا ينفَكُّ عن مصالحِه وثرواتِه وسُلطاتِه بمجرّد التهديد والترغيب، ولن تُسلِّمَ الرايةَ إلا بقتالٍ عنيفٍ.

وسواء استطاعَ التيارُ المعتدلُ أنْ يُمسكَ بزمام السلطة في إيران، بحركةٍ تصحيحيةٍ داخليةٍ، أو بضربةٍ أمريكية – إسرائيلية، تستهدفُ تصفيةَ قياداتِ تيارِ المقاومةِ مع إمامِه الخامنئيِّ، وتفسحُ المجالَ للتيار المُعتدِل أنْ يُمسكَ بزمام الأمور قبل أنْ ينفلتَ، فإنّ بقايا تيارِ المقاومة ستستمرُ في المقاومة داخل إيران، وستنتشرُ خارجها، لتُمارسَ الأنشطةَ الإرهابية في العديد من بلدان العالم، وعلى رأسها أمريكا وإسرائيل، وستضطرُّ القواتُ المسلحة الأمريكية أنْ تَبقى في حال التّأهُّبِ لفترة زمنية ليست بالقصيرة.

ستزولُ الذهنيةُ الحاكمةُ في إيران، وسيُسدَلُ الستارُ على حُقبةٍ سوداء أثقلتْ كاهلَ الأمة الإسلامية، وستبدأ حُقبةٌ جديدةٌ، لا أظنُّها تكونُ أفضلَ منها، إلا في جوانب مَحدُودةٍ، وسيفسحُ ذلك المجالَ أمامَ تَغييرٍ جذريٍّ في العراق، على غِرَارِ ما حدثَ في سوريا، وستَركبُ تركيا موجَ هذا التغيير، وستَحلُّ مَحِلَّ النظام الإيراني فيه، إذ تقومُ بتصفية التواجد العسكري الكردي المعارِض لها، وتبسطُ نفوذَها في إقليم كردستان، الذي سَيتمُّ دمجُه مع النظام السياسي الجديد في بغداد، بعد سيطرةِ الدواعشِ والعناصرِ المسلحة المُتشدّدةِ عليها.

توقيتُ هذا التغييرِ يعتمدُ على الموقفِ الإيراني النهائي من الضغوط المفروضَةِ على إيران، ومدى تحمّلِ النظام الإيراني لها، وقدرةِ هذا النظام على المُراوَغةِ وكسبِ الوقت، وقرارِ تَرجيحِ الحرب أو السّلم، وكذلك، يعتمدُ توقيتُ التغييرِ في إيران على قُدرةِ إسرائيل في تنظيمِ الحركةِ التصحيحيّةِ الإيرانية الداخلية، ودعمِ التيارِ المُعتدِلِ، والصّبرِ على مسارِ المُفاوضاتِ.

قريبًا جدًا، سنشهدُ نهايةَ حُقبةٍ وبِدايةَ حُقبةٍ أخرى في إيران، وعلى الشعب العراقي أنْ يَستعِدَّ لذلك.