نتناول في هذا الفصل* حق إبداء المشورة القانونية من خلال بيان مفهومها، وآلياتها، وأصول صياغتها، ومسؤولية رجل القانون والمحامي عنها، وذلك عبر مبحثين رئيسين.
المبحث الأول:
مفهوم المشورة القانونية
تُعد المشورة القانونية حقاً أصيلاً لرجل القانون والمحامي، وركناً أساسياً في ممارسته المهنية.
وفي ظل التنظيم القانوني الشامل لمختلف مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، أضحت الاستشارة ضرورة ملحة ينبغي اللجوء إليها قبل الإقدام على أي تصرف أو مشروع؛ تجنباً للمسؤولية الجزائية أو المدنية، حتى قيل بحق: «الاستشارة الوقاية، والدعوى هي العلاج».
ومع التطور المتسارع للمجتمعات، اتسع نطاق الاستشارات القانونية في الدول المتقدمة؛ فلم يعد قاصراً على الشركات والمؤسسات الكبرى، بل امتد ليكون لكل أسرة مستشارها القانوني الذي يوجه تصرفاتها والمعاملات التي تزمع إجراءها. وتأسيساً على حجم الطلب المتزايد والمدى المتقدم الذي بلغه هذا النشاط في كبريات شركات المحاماة عالمياً، بات يُوصف العصر الحالي بـ «قرن الاستشارات القانونية لا قرن المنازعات القضائية».
وتأسست هذه المهام على القاعدة الفقهية «المستشار مؤتمن»؛ إذ يُعد تقديم المشورة القانونية من قِبل رجل القانون والمحامي لمن يطلبها أمانة ثقيلة، ويكتسي الكذب أو التزوير أو التضليل فيها صفة الخيانة؛ لما يرتبه من ضياع للحقوق والوقوع في الخطأ، وقد حذرت الشريعة الإسلامية من خيانة الأمانة والتضليل في المشورة:
* قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58].
* وقال النبي (ص): «المستشار مؤتمن...»،
* وقال عليه الصلاة والسلام: «مَنِ اسْتَشَارَهُ أَخُوهُ فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ رُشْدٍ فَقَدْ خَانَهُ».
المبحث الثاني:
أصول وآليات ومسؤولية المشورة القانونية
المطلب الأول: أصول صياغة الفكر القانوني وتكوين الرأي
يتطلب إبداء الرأي القانوني من المشاور القانوني اتباع أساليب علمية ومنطقية تستند إلى التحري الدقيق في النصوص والأحكام الواجبة التطبيق، لا سيما مع تزايد اعتماد المؤسسات والمصارف والشركات العالمية على الاستشارات، وما قد يترتب على الخطأ في التقدير من مسؤولية قانونية وإضرار مالي جسيم.
تتحدد أبرز أصول وقواعد تكوين الرأي القانوني لدى رجل القانون والمحامي في الآتي:
1- ارتباط المشورة بالواقع:
يجب أن ينصب طلب المشورة على بيان النص الواجب التطبيق على واقعة محددة حدثت فعلاً أو يُتوقع حدوثها مستقبلاً عند رسم السياسات أو اتخاذ القرارات.
2- التحليل الحيادي للوقائع:
دراسة عناصر القضية من قِبل المشاور القانوني بحيادية وتجرد ودون أحكام مسبقة، مع فحص الأدلة والمستندات وترتيبها تاريخياً.
3- التأني وعدم التسرع: حظر إبداء الرأي إلا بعد استكمال أدلته والبراهين الدالة على صحته.
4- المرونة الفقهية ونقد الآراء: تجنب التعصب لرأي فقهي معين ومناقشة الآراء بنقد علمي؛ نظرًا لتغير الأحكام بتغير الأزمان.
5- استجلاء الغموض: إجراء المناقشات اللازمة مع ذوي الشأن لاستيفاء التفاصيل والمستندات غامضة الدلالة.
6- توقع دفع الخصوم: إذا كانت المشورة متعلقة بخصومة قضائية، ينبغي على رجل القانون أو المحامي تقدير وتوقع ما قد يثيره الخصم من دفوع ودفاع مضاد.
7- شمولية النظرة للعلة والأدلة: عدم التأسيس على دليل جزئي أو معلومة ناقصة، بل تمحيص الصورة الكاملة للنزاع.
8- وضوح الصياغة: استخدام عبارات واضحة وتجنب إغراق المستشير بالمصطلحات المعقدة دون شرحها.
9- التسلسل المنطقي: التدرج السلس من المستندات والأسباب وصولاً إلى النتيجة.
10- الاستئناس بالفقه والقضاء: تدعيم الرأي بالسوابق القضائية الصادرة عن محكمة التمييز أو المحكمة الاتحادية العليا، والآراء الفقهية، مع التوثيق الدقيق (اسم المرجع، المؤلف، سنة الطبع، رقم الصفحة، ورقم الحكم وتاريخه).
11- بيان الآراء عند غياب النص: عند تعدد الاجتهادات وغياب النص الصريح، يُشار إلى ذلك صراحة من قِبل المشاور القانوني والمحامي مع ترجيح الاتجاه الأقوى.
12-الجزم واليقين: صياغة الرأي بوضوح وتجنب العبارات الفضفاضة والغامضة مثل (لا نرى ما يمنع قانوناً)، إلا إذا اقتضت الوقائع عرض بدائل متعددة.
13- المباشرة في الطرح: الدخول في جوهر الموضوع دون الخوض في افتراضات استطرادية لا حاجة للمستشير بها.
15- دقة التوثيق: تسلسل المراجع والأدلة بترتيب يُسَهِّل على الطالب التحقق من صحتها.
المطلب الثاني: آليات إبداء المشورة والرأي القانوني
تمر مرحلة إعداد المشورة القانونية وتكثيفها من قِبل رجل القانون والمحامي بعدة مراحل منهجية متتابعة:
1- تحليل الواقعة إلى عناصرها الأولية: تفكيك الواقعة لبحث أركان التصرف أو العمل المادي، كفحص شروط العقد والتزامات أطرافه في حالة تأخر مقاول عن التنفيذ.
2- تحديد النظام القانوني الحاكم: تحديد ما إذا كانت الواقعة تخضع لأحكام القانون العام أم الخاص، وبيان طبيعة المسؤولية (جزائية، مدنية، إدارية) والقوانين الخاصة المتعلقة بها (قانون عقوبات عام، قانون تجارة، قانون خدمة مدنية، إلخ).
3- التكييف القانوني للواقعة: إسباغ الوصف القانوني الصحيح على الواقعة أو التصرف (مثل تحديد نوع العقد الإداري: أشغال عامة، توريد، امتياز، وهل هو تفاوضي أم عقد إذعان).تنبيه: يُعرف العقد الإداري بأنه: «العقد الذي يبرمه شخص معنوي عام بقصد تسيير مرفق عام أو تنظيمه، وتظهر فيه نية الإدارة في الأخذ بأحكام القانون العام عبر تضمينه شروطاً استثنائية غير مألوفة في القانون الخاص».
4- تحديد النص القانوني الواجب التطبيق: البحث عن القواعد الحاكمة بعد التكييف (تقديم الخاص على العام، واللاحق على السابق من حيث السريان الزمني)، والتأكد من عدم تعديل النص أو إلغائه.
5- تفسير النص: التوصل إلى القصد الحقيقي للمشرع من خلال المعنى اللغوي والاصطلاحي للعبارات، ودلالة النص المنطوقة والمفهومة، أو استخدام القياس عند توفر العلة ذاتها.
6- إعمال القياس والاجتهاد عند اللزوم: حيث يُلجأ للتحليل والاجتهاد في الأحوال التي لا يوجد فيها نص مباشر، لاستنباط الحكم من الأصول العامة.
7- تطبيق النص على الوقائع: إفراغ الوقائع في قالب القاعدة القانونية (ربط الفرض بالحكم)؛ فإذا تطابقت الوقائع مع الفرض القانوني، تحققت النتيجة المعرفة بالحكم.
8- الصياغة النهائية للمشورة: إخراج المشورة مكتوبة في مذكرة رسمية تتضمن:
رقم وتاريخ طلب المشورة
ملخص الوقائع الأساسية.
النصوص والنظريات المرعية.
الحيثيات والأسباب والأسانيد القانونية.
الرأي النهائي والخلاصة الإجرائية.
المطلب الثالث:
مسؤولية المستشار القانوني
تثير مسألة تحديد مسؤولية المشاور القانوني "والمحامي" إشكالية فلسفية وقانونية مهمة: هل المستشار مسؤول عن صحة النتيجة، أم عن سلامة المنهج الذي أوصله إليها؟
والأدق قانوناً أن مسؤولية رجل القانون والمحامي تدور أساساً حول سلامة المنهج والعناية المهنية، لا حول ضمان النتيجة.
فمسؤولية المشاور القانوني والمحامي عن الاستشارة التي يقدمها ليست مطلقة، وليست معدومة؛ وإنما تتحدد بحسب طبيعة الاستشارة، ومدى التزامه بأصول المهنة، والمعلومات التي قدمها طالب الاستشارة، والنتيجة التي ترتبت على الرأي القانوني. ويمكن تحليلها على النحو الآتي:
1. الأصل: مسؤولية بذل عناية لا مسؤولية تحقيق نتيجة
لا يضمن المشاور القانوني والمحامي للعميل أن يحكم القاضي لمصلحته أو أن تنتهي المعاملة الإدارية إلى النتيجة التي توقعها؛ وإنما يلتزم بأن يبذل عناية المهني المعتاد المتخصص في دراسة المسألة وإبداء الرأي.
لذلك، إذا أفتى برأي قانوني مدروس، مستنداً إلى النصوص والاجتهادات والمبادئ القانونية ذات الصلة، فلا يسأل لمجرد أن المحكمة أو الجهة الإدارية أخذت باتجاه مخالف.
وهنا يجب التمييز الدقيق بين
الخطأ في النتيجة القانونية: وهو مجرد اختلاف مشروع في الاجتهاد الفقهي والقضائي لا ترتب عليه مسؤولية.
الخطأ المهني في طريقة الوصول إلى النتيجة: وهو الإخلال بأصول البحث والتحري المنهجي، وهو الذي يرتب المسؤولية.
2. متى تقوم مسؤولية المشاور القانوني والمحامي؟
تتحقق المسؤولية المهنية عندما يشوب الرأي خطأ جسيم أو إهمال واضح، ومن صور ذلك:
إعطاء رأي دون دراسة النصوص القانونية ذات الصلة.
تجاهل نص قانوني صريح ونافذ واجب التطبيق.
الاستناد إلى قانون ملغى أو نص لم يعد نافذاً، مع إمكانية التحقق من ذلك.
إخفاء حقيقة قانونية جوهرية عن طالب الاستشارة.
تقديم رأي مع العلم بأن الوقائع التي بُني عليها غير صحيحة.
إبداء رأي في مسألة لا يملك معلوماتها الأساسية ثم تقديمه بصورة قاطعة توحي باليقين.
تعارض المصلحة الشخصية للمستشار أو المحامي مع مصلحة طالب الاستشارة دون الإفصاح عنها.
إعطاء استشارة مخالفة للقانون بقصد تحقيق مصلحة غير مشروعة.
الإهمال المهني الذي يؤدي بصورة مباشرة إلى ضرر متوقع.
3. مدى أثر المعلومات المقدمة من طالب الاستشارة
لا يمكن تحميل المشاور القانوني والمحامي مسؤولية نتيجة بُنيت على وقائع أخفاها المُستشير من رجال الإدارة العامة او العميل أو قدمها بصورة غير صحيحة.
فلو أفاد العميل بأن عقداً معيناً يتضمن شرطاً محدداً، وبنى المستشار رأيه على هذا الأساس، ثم تبين خلو العقد من الشرط، فلا تقوم مسؤولية المستشار.
ولذا؛ ينبغي منهجياً أن تقترن المشورة بالوقائع المعروضة، وأن يُصرح رجل القانون والمحامي بأن رأيه مشروط بصحة الوقائع والمستندات المقدمة إليه.
4. التمييز بين الاستشارة الشفهية والمذكرة القانونية المكتوبة
تختلف درجة المسؤولية بحسب طبيعة التكليف:
دالسؤال العابر/الشفهي: مثل قول العميل: «هل أستطيع قانوناً فعل كذا؟».
الرأي المهني المكتوب: المكلف به رسمياً لدراسة عقد أو نزاع أو مشروع قرار.
في الحالة الثانية ترتفع درجة المسؤولية المهنية لرجل القانون والمحامي؛ لنشوء رابطة عقدية ومهنية صريحة توجب بذل قدر أعلى من البحث والتحليل والتحقق.
5. أثر الخلاف الفقهي والقضائي على المسؤولية
إن وجود خلاف فقهي أو اجتهاد قضائي متعدد في مسألة ما لا يترتب عليه مساءلة رجل القانون والمحامي لمجرد اختياره أحد الاتجاهات السديدة؛ فالفقه القانوني لا يفترض وجود إجابة واحدة قاطعة دوماً، وهذا ما يؤكده تاريخ القانون والفقه والقضاء.
غير أن الواجب المهني يقتضي منه صياغة المشورة بصورة تبين الخلاف: («المسألة محل خلاف، وهناك اتجاهان؛ ونرى رجحان الاتجاه الأول للأسباب الآتية...»). أما إذا كانت المسألة حاسمة بنص صريح أو قضاء مستقر معلوم لديه ثم أفتى بخلاف ذلك دون تنبيه أو تبرير، فهنا تتبلور المسؤولية المهنية وتتأكد.
6. خصوصية المشورة في نطاق القطاع الحكومي والمؤسسي
إذا كان المشاور القانوني والمحامي يعمل مستشاراً لوزارة أو هيئة أو شركة عامة، فإن مسؤوليته تكتسب بعداً أشمل يتجاوز مصلحة الجهة إلى حماية المشروعية والمال العام والمصلحة العامة.
ومن ثَمَّ، لا يجوز تحويل المشورة القانونية إلى غطاء لإضفاء مشروعية شكلية على قرار اتُّخذ مسبقاً؛ فالاستشاري الذي يصوغ تبريراً لإجراء يعلم مخالفته للقانون يختلف جذرياً عن رجل القانون المستقل الذي يقدم رأياً مجرداً وموضوعياً وإن خالف رغبة الجهة الطالبة.
7. أشكال المسؤولية القانونية (مدنية، تأديبية، جزائية)
تتدرج الجزاءات المترتبة على المشورة الخاطئة بحسب التكييف القانوني للإخلال:
المسؤولية المدنية: عند تحققأركانها من خطأ مهني وضرر وعلاقة سببية.
المسؤولية المهنية والتأديبية: عند مخالفة أصول وآداب ممارسة المهنة.
المسؤولية الجزائية: وتتقرر استثناءً إذا تجاوز الأمر مجرد الخطأ الاجتهادي إلى ارتكاب فعل مجرم قانوناً كالتواطؤ، أو التزوير، أو الاشتراك العمدي في تصرف غير مشروع بإضفاء المشروعية عليه عمداً.
خلاصة القول: إن المعيار الأكاديمي والمهني الأعدل لتقييم المسؤولية يكمن في السؤال الآتي: «هل كان الرأي الصادر هو ما يمكن أن يقدمه مشاور قانوني ومحامٍ حريص ومتحرٍّ لأصول المهنة، بعد فحص الوقائع والنصوص المتاحة وقت تقديم الاستشارة؟»
فإن كانت الإجابة بالإيجاب، فلا مسؤولية عليه لمجرد عدم تحقق النتيجة المرجوة.
أما إذا كان الرأي نتيجة جهل فاضح، أو إهمال جسيم، أو تجاهل لنص قاطع، أو تضليل متعمد أدى إلى ضرر، فإن أركان المسؤولية تكون قد استجمعت عناصرها القانونية.
*(البحث مجتزأ من كتابنا المنهجي؛ المبادئ العامة في أصول المحاماة، مع الاضافة).