كنت احد الذين‮ ‬يعلّقون الآمال على اربيل،‮ ‬لإنقاذ البلاد مما‮ ‬يجري‮ ‬في‮ ‬بغداد،‮ ‬وكنت أكثر الذين‮ ‬يرون في‮ ‬مصدر الاعتدال الوطني،‮ ‬الطرف الأجدر للقيام بهذه المهمة النبيلة‮.‬

ثلاثة ايام من المتابعة الدقيقة للحراك الشعبي‮ ‬والسياسي‮ ‬المتفاقم في‮ ‬بغداد،‮ ‬كانت كفيلة بتوجيه نظري‮ ‬نحو هذا المصدر،‮ ‬الذي‮ ‬خبرته في‮ ‬ازمات سابقة،‮ ‬مقتدرا صادقا جديرا بالثقة،‮ ‬ورأيت فيه باباً‮ ‬لفتح الانغلاق السياسي،‮ ‬الذي‮ ‬لم‮ ‬يؤد الا الى مزيد من التعقيد بسبب طابع الشخصانية،‮ ‬الذي‮ ‬اتسم به المناخ العام،‮ ‬وتبادل الاتهامات،‮ ‬بدلا عن البحث عن حل في‮ ‬فضاء ملبد او مغلق‮.‬

ورأيت ثقتي‮ ‬تتضاعف وآمالي‮ ‬تكبر وانا اتلقى مبادرة رئيس اقليم كردستان نيجرفان البارزاني،‮ ‬التي‮ ‬طرحها في‮ ‬وقت احوج ما تكون اليه العملية السياسية الى تحكيم العقل،‮ ‬وتطويق الانفعال‮. ‬واسترجعت قول الشافعي‮ (‬وتضيق الدنيا فنحسب اننا‮ ‬،‮ ‬سنموت بأساً‮ ‬او نموت نحيبا،‮ ‬واذا بلطف الله‮ ‬يهطل فجأة‮ ‬يربي‮ ‬اليبس الفتات قلوبا‮).‬

وتكمن اهمية مبادرة البارزاني‮ ‬في‮ ‬انها واضحة وسلسة،‮ ‬وان اي‮ ‬منصف او باحث عن طريق للخلاص،‮ ‬يستطيع استيعاب ابعادها وفهم مضامينها‮. ‬فهي‮ ‬تخلو من الشعارات والكلام المكرر الممل،‮ ‬وتختار حقائق الامور في‮ ‬تأكيد نجاحها،‮ ‬في‮ ‬حال استجاب الفرقاء اليها،‮ ‬وكأنها تستند الى قول الامام علي‮ ‬بن ابي‮ ‬طالب عليه السلام‮ (‬من استقبل وجوه الاراء عرف مواقع الخطأ‮). ‬وفي‮ ‬قراءة سريعة للمبادرة امكنني‮ ‬استخلاص الاتي‮:‬

1‮-‬ ان نيجرفان البارزاني‮ ‬سمى الاشياء بمسمياتها الوطنية ووصف الفرقاء بـ‮ (‬الاطراف العراقية‮) ‬وبذلك‮ ‬يصح وصف المبادرة بالذهبية‮.‬

2‮-‬ انه رسم اقصر الطرق ووضع افضل السبل للقاء،‮ ‬وتذليل التحديات الراهنة وذلك بالحوار‮. ‬هذا العنوان العريض للعقلانية والحكمة الذي‮ ‬يتجلى في‮ ‬اللحظات التاريخية الفاصلة ويتحلى به اصحاب النوايا الطيبة والعقل المستنير‮.‬

3‮-‬ انه حث على ضبط النفس تفاديا للدخول في‮ ‬مناطق اللا عودة والانهيار والخوض في‮ ‬بحور الدم،‮ ‬فقد حث الاطراف العراقية على‮ (‬التزام منتهى ضبط النفس،‮ ‬وخوض حوار مباشر من اجل حل المشكلات‮). ‬وهنا تتضح ايضا حكمة البارزاني‮ ‬ونقاء سريرته،‮ ‬فهو دعا الى حوار مباشر،‮ ‬والدقة في‮ ‬التوصيف مفيدة،‮ ‬بل ضرورية لوضع الآليات وبيان جدواها وتوقيتاتها‮.‬

4‮-‬ ان البارزاني‮ ‬ذكّر‮ (‬الاطراف العراقية‮) ‬بخطورة زيادة تعقيد الامور،‮ ‬في‮ ‬ظل الظروف الحساسة،‮ ‬لان هذا السلوك الذي‮ ‬قد تتسم به نوايا وظنون البعض،‮ ‬يعرض السلم المجتمعي‮ ‬والامن والاستقرار في‮ ‬البلد الى‮ ‬الخطر‮. ‬وهو في‮ ‬هذا القول لا‮ ‬يستثني‮ ‬احداً‮ ‬او‮ ‬ينحاز الى احد‮. ‬فالركن المهم في‮ ‬اي‮ ‬مبادرة من هذا النوع تتجلى،‮ ‬عادة،‮ ‬في‮ ‬ضمان الطرف الثالث المحايد،‮ ‬اي‮ ‬الطرف الابوي،‮ ‬من اجل اشاعة جو الهدوء ومناخ الثقة بين الاطراف‮.‬

5‮-‬ ان البارزاني‮ ‬جدد تأكيد الثوابت الدستورية،‮ ‬في‮ ‬ظل عراق تعددي‮ ‬متنوع المشارب،‮ ‬بالقول باحترام ارادة التظاهر السلمي‮ ‬للجماهير،‮ ‬فيما شدد على اهمية حماية مؤسسات الدولة وامن وحياة وممتلكات المواطنين وموظفي‮ ‬الدولة‮. ‬وهذا مفتاح اخر لفهم روح البارزاني،‮ ‬التي‮ ‬تنأى بنفسها عن المحاباة والغموض والالتفاف على الحقائق أو تغييب الثوابت‮.‬

6‮-‬ اظهرت مبادرة البارزاني‮ ‬عراقيته المتأصلة وايمانه باهمية ادراك موقع الشعب في‮ ‬اي‮ ‬افضليات،‮ ‬فقد اكد ان الشعب العراقي‮ ‬يستحق حياة وحاضرا ومستقبلا افضل،‮ ‬وهو اعتراف ضمني‮ ‬بان الصراعات وسياسة لي‮ ‬الاذرع والحصول على المنافع،‮ ‬اهدرت فرص تقديم مكتسبات ملموسة في‮ ‬جميع القطاعات لهذا الشعب،‮ ‬بما‮ ‬يوازي‮ ‬تضحياته وكرامته‮. ‬وكان البارزاني‮ ‬مصيبا جدا عندما حدد مكامن الخلل وحمل جميع الاطراف والقوى‮ (‬الواجب والمسؤولية المشتركة‮)‬،‮ ‬ووضعها امام مشروع الحل النابع من‮ (‬العمل معا لاخراج العراق من هذا الظرف الحساس والخطر‮).‬

أما البعد السابع في‮ ‬مبادرة البارزاني،‮ ‬وهي‮ ‬تنطوي‮ ‬على رؤية واقعية وتحليل عميق للامور،‮ ‬فيكمن في‮ ‬اختيار الموقع او المكان لاجراء الحوار المنتظر،‮ ‬حيث‮ ‬يحفل اقليم كردستان برمزية خاصة في‮ ‬ذاكرة وضمير الاطراف الممسكة بالسلطات منذ نيسان‮ ‬2003‮.‬ وكان الرئيس نيجرفان البارزاني‮ ‬دقيقا في‮ ‬صياغة بلاغة مفرداته وعناوين فروع مبادرته،‮ ‬اذ قال ان‮ (‬اقليم كردستان سيكون،‮ ‬كما هو دائما،‮ ‬جزءا من الحل‮)‬،‮ ‬ما‮ ‬يعني‮ ‬انه مستعد للمراجعة والمتابعة والعمل المشترك مع جميع الاطراف الساعية،‮ ‬الى مائدة الحوار وتذليل العقبات ازاء نقاط الخلاف‮.‬

وقد حدد اربيل،‮ ‬عاصمة العراق الثانية،‮ ‬لاحتضان اللقاء التاريخي‮ ‬والشروع بحوار مفتوح‮ ‬يهدف التوصل الى تفاهم واتفاق قائمين على المصالح العليا للبلد‮.‬

وضماناً‮ ‬لفرص النجاح وفتح ابواب الامل امام الجميع،‮ ‬فان البارزاني،‮ ‬بكل ما عرف عنه من اتزان وهدوء واخلاص وطني‮ ‬وصبر،‮ ‬خلص الى القول‮ (‬لا توجد مشكلة لا‮ ‬يمكن حلها بالحوار‮).‬

وخلال العقدين الماضيين‮ ‬وجدت شخصيا ان فخامة الرئيس نيجرفان البارزاني،‮ ‬لطالما كان محاورا نبيلا وجديرا بالثقة،‮ ‬مثلما كان رفيقا محسوم الولاء لقيادته الكردية،‮ ‬في‮ ‬تنفيذ معالم تجربة تنموية فريدة‮ ‬يحتذى بها في‮ ‬العالم‮. ‬فهل‮ ‬ينزل اطراف النزاع الحالي‮ ‬من ابراج اوهامهم،‮ ‬ويذهبون الى اربيل لتسوية مشاكلهم،‮ ‬والعودة الى بغداد وقد تم تصفير تلك المشاكل،‮ ‬على مبدأ لا‮ ‬غالب ولا مغلوب والجميع‮ ‬يظفر بالنصر،‮ ‬طالما ظل البلد سالما واهله‮ ‬ينعمون بالامان؟

تلك هي‮ ‬اهداف مبادرة البارزاني‮. ‬التي‮ ‬ستجنبنا الوقوع في‮ ‬متاهة بحر الظلمات‮. ‬اقول ذلك مستهدياً‮ ‬بقول النبي‮ ‬محمد‮ (‬ص‮) ‬ان‮ (‬كلمة الحق لا تقطع رزقاً‮ ‬ولا تقرّب أجلاً‮). ‬

نقلاً عن جريدة الزمان