بين جبال زاگروس الشاهقة في قلب الشرق الأوسط، وسلاسل جبال الأطلس الممتدة في شمال إفريقيا، تُنسج خيوط قصة واحدة لشعبين فريدين؛ الكورد والأمازيغ. ورغم آلاف الكيلومترات التي تفصل بينهما، إلا أن الناظر في تاريخهما يجد نفسه أمام مرآة حضارية تعكس نضالاً متشابهاً، ومعاناة مشتركة، وإصراراً منقطع النظير على البقاء والحفاظ على الهوية أمام عواصف التذويب الثقافي والسياسي.
الجذور العميقة والارتباط بالأرض
يُعد الكورد والأمازيغ من أقدم الشعوب الأصيلة في منطقتهما. الكورد، أحاد الجبال الذين تمتد جذورهم إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد عبر الحضارات الميتانية والميدية، جعلوا من جبال كردستان حصناً لهويتهم. وفي المقابل، نجد (إمازيغن) أو (الرجال الأحرار)، السكان الأصليين لشمال إفريقيا، الذين يمتد تاريخهم إلى ما قبل 12 ألف عام (إنسان تافوغالت)، والذين أسسوا حضارات وصلت إلى عرش مصر الفرعونية (شيشنق الأول) وحتى حكم روما (سيبتيموس سيفيروس).
كلا الشعبين يجمعهما ارتباط مقدس بالأرض؛ فكردستان وتامازغا ليست مجرد حدود جغرافية، بل هي فضاءات روحية وتاريخية. ورغم استقلال لغاتهم (الكوردية هندوأوروبية والأمازيغية أفروآسيوية)، إلا أن اللغة لديهما هي الخندق الأخير للدفاع عن الوجود، وهي الأداة التي قاومت قروناً من محاولات الإقصاء.
المفارقة التاريخية: من حماة الإسلام إلى ضحايا التعريب
يشترك الكورد والأمازيغ في مفارقة تاريخية كبرى؛ فقد كانوا رأس الحربة في حماية الحضارة الإسلامية وتوسيع نفوذها. فبينما كان القائد الكوردي صلاح الدين الأيوبي يحرر القدس ويؤسس دولة امتدت من العراق إلى ليبيا، كان القائد الأمازيغي يوسف بن تاشفين يؤسس دولة المرابطين ويحمي الأندلس من السقوط.
ومع ذلك، أدى تقديس اللغة العربية كضرورة دينية إلى تراجع اللغات القومية لهذين الشعبين. ومع صعود القوميات العربية والتركية والإيرانية في القرن العشرين، تحول الكورد والأمازيغ من شركاء في العقيدة إلى أقليات مستهدفة بالتذويب. واجه الكورد سياسات (التتريك) في تركيا و(التفريس) في إيران و(التعريب) في العراق وسوريا، بينما واجه الأمازيغ حملات تعريب منظمة وممنهجة في دول شمال إفريقيا، وصلت في بعض الأحيان إلى حد منع إطلاق الأسماء الأمازيغية على المواليد الجدد وتشويه التاريخ المدرسي لإنكار وجودهم السابق للفتح الإسلامي.
المظلمة السياسية والجغرافيا الممزقة
لعل أبرز القواسم المشتركة هي اللعنة الجغرافية والتقسيم الاستعماري. فقد قُسم الكورد بين أربع دول رئيسية (تركيا، العراق، إيران، سوريا) نتيجة اتفاقيات دولية تجاهلت حقوقهم، وبالمثل تشتت الأمازيغ في موزاييك سياسي بين المغرب والجزائر وتونس وليبيا ومالي، وصولاً إلى واحة سيوة في مصر.
هذا التفتيت خلق واقعاً سياسياً مريراً؛ حيث تم التعامل معهما كتهديد للوحدة الوطنية. تعرض الكورد لمجازر كيماوية (حلبجة) وحملات إبادة (الأنفال)، بينما عانى الأمازيغ من التهميش الاقتصادي والاعتقالات السياسية ضد نشطاء الحركة الثقافية. ورغم ذلك، نضجت الحركتان الكوردية والأمازيغية بشكل متوازٍ، حيث انتقل النضال من الطابع العسكري الجبلي إلى العمل السياسي والمؤسساتي، مطالبين بالاعتراف الدستوري بلغاتهم وحقهم في إدارة شؤونهم عبر أنظمة فيدرالية أو حكم ذاتي.
التضامن العابر للحدود: الشعبان الشقيقان
في السنوات الأخيرة، برز تضامن شعبي ونخبوي لافت بين الطرفين. ففي مسيرات "توادا" الأمازيغية، رُفعت أعلام كردستان، وفي أحداث كوباني ضد تنظيم داعش، خرج الأمازيغ في تظاهرات حاشدة أمام السفارات التركية تضامناً مع المقاتلين الكورد. هذا التشابك الوجداني نابع من إدراك القيادات في كلا الحركتين أن المصير واحد؛ فالتهميش الذي يعاني منه الكوردي في القامشلي هو نفسه الذي يواجهه الأمازيغي في جبال القبائل أو جبال الأطلس.
رؤية للمستقبل: نحو شراكة حقيقية
إن الطريق أمام الكورد والأمازيغ لا يزال طويلاً، لكن ملامح الخلاص تبدو واضحة في التمسك باللغة والثقافة كأولوية قصوى. تُمثل الجاليات القوية في أوروبا (الكورد في ألمانيا والأمازيغ في فرنسا) الرئة الدولية التي تسمح بنقل قضاياهم إلى المحافل العالمية.
المستقبل لا يتطلب الصدام مع المحيط العربي أو التركي أو الفارسي، بل يتطلب بناء عقد اجتماعي جديد يعترف بالتعددية كقوة لا كضعف. إن الاعتراف بالحقوق القومية للكرد والأمازيغ ليس تقسيماً للأوطان، بل هو جبر لضرر تاريخي واستعادة لروح المنطقة التي كانت دائماً موزاييكاً من الشعوب والحضارات. إن الحلم الكبير بتحقيق بلاد (كردستان) و(تامازغا) كفضاءات ثقافية وسياسية معترف بها، هو الضمانة الوحيدة لاستقرار منطقة لا يمكن أن تعيش بسلام وهي تنكر حقوق ملايين من سكانها الأصليين.