يقتصرُ الدورُ المناط إلى رئيس الوزراء العراقي الجديد على إرساءِ قواعدِ حكمِ الرجل الواحد القوي، وزَجِّ العراق، ونظامه السياسي الجديد في المنظومة السياسية التي ستَتحكَّمُ في الشرق الأوسط، وترتيبِ البيتِ العراقي لِيُلبِّيَ متطلباتِ هذه المنظومة السياسية، من خلال سلطةٍ مركزية قوية تُراعي الوضعَ الإقليمي للكرد، وتَسعى إلى دفعِه لِيَتوائَمَ مع الوضع الجديد.

يُعاني البيتُ الكردي من أزماتٍ سياسية داخلية، ومن التراكمات السيئة للعلاقة غيرِ الصحية بين الإقليم والمركز، التي خَلَّفَتْها الموادُ الدستورية والتي تلاعبَ أطرافُ النزاع في مفاهيمِها ومعانِيها وسبُلِ تطبيقِها.

وتأتي أزمةُ الخلافِ السياسي المُزمِنِ بين الاتحاد الوطني الكوردستاني والحزب الديمقراطي الكوردستاني على رأس قائمة الأزمات السياسية في إقليم كوردستان، والتي ستُلقي بظلالها على طبيعة تعاملِ رئيس الوزراء الجديد مع الملف الكردي، ويبدو أنّه قد حانَ وقت معالجة هذه الأزمة، قبل أنْ يُنفِّذَ رئيسُ الوزراء الجديد خُطَطَ تأسيسِ النظام السياسي المُناطَةِ إليه.

وتقتصرُ المعالجةُ، في قناعتي، على قدرة قادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني على قَبول الشريك السياسي على أنّه جهةٌ سياسيةٌ لديها مشاريعُ، وجماهيرُ، وأفكارٌ في الحكم والإدارة، ترغبُ في تطبيقها، من غير فَرْضِ الإرادةِ والسيادةِ والتّسلُّطِ عليها.. يجبُ على هؤلاء القادة، في الحزب الديمقراطي الكوردستاني، أنْ يَهضُموا حقيقةَ: "أنّ الشريكَ في الحكم هو نِدٌّ، حُرٌّ، يُحقّقُ، معهم، التّكامُلَ في الحكمِ والبناءِ والسّيادَةِ".. ويجبُ على الشريك السياسي أنْ يَتحلّى بالثقة بالنفس، وبفرضِ الذات، وحصرِ الخلاف في المشاريع السياسية والتنموية، والتَّخَلّي عن الاستفزاز، والتحدّي، ومحاولاتِ الانفصالِ الإداري.

وفي إطارِ فرضِ السيادة في العراق، سيَلجأُ الرئيسُ الجديد للحكومة، وبدعمٍ أمريكي وغربي، إلى احتواءِ المواردِ النفطية وغيرِ النفطية لإقليم كوردستان، وتوحيدِ النظام الجمركي، وإخضاعِِ قراراتِ الإقليم الاستراتيجيةِ لسيادةِ السلطة المركزية، وإعادةِ صياغةِ وتطويعِ المؤسسات الأمنية وفق المادة 121/خامسا من الدستور العراقي، إضافةً إلى اتّخاذِ إجراءاتٍ تَتَّسِمُ بِفَرضِ السيادةِ على كاملِ التراب العراقي مع مُراعاةِ الواقعِ الدستوري لإقليم كوردستان.

ورغم هذا الوضعِ الجديد في بغداد، وخُطَطِ حكومتِها القاسية على الإقليم، ومعادلتِها الصعبة التي ستضعُ العلاقةَ بين المركز والإقليم على كفِّ عفريت، إلّا أنّني أرى أنّ ذلك سيُشكِّلُ فرصةً ذهبيةً لطرفَي الصراع الحكومي في إقليم كوردستان كي تَستوعِبَا ضرورةَ تأسيسِ خطابٍ وطني مشترك، تجاه ما يُحاكُ في بغداد، وآملُ أنْ يكونَ حافزًا لهما ودافعًا لجمع الشتات في مشروع وطني قادر على ترويض وامتصاص ما تُخطِّطُ له حكومةُ الزيدي.

إنّ عدمَ تفعيلِ البرلمان الكوردستاني، والاستمرارَ المُفرَطَ في تأخير تشكيل حكومة إقليم كوردستان، وانشغالَ حكومةِ تصريف الأعمال، وكافةِ الأحزاب السياسية في الإقليم بأنشطةٍ وأعمالٍ ومشاغلَ يوميةٍ ثانويةٍ، وخُلُوَّ الأذهانِ في كوردستان من التفكير في مشروع استراتيجي توافقي، سيُضعِفُ، حتمًا، موقفَ الإقليم تجاهَ معمعةِ الأحداثِ المُعقَّدةِ في العراق وفي الشرق الأوسط، بل وقد يُعرّضُ وجودَه للخطر.

مساعي التوافقِ والتفاهمِ والمفاوضاتِ، وإنْ كانت ثمينة، إلّا إنّها لن تُفضيَ إلى حلٍّ حقيقيٍّ، فالحلُّ الوحيدُ هو حصولُ القناعةِ الذاتية الحقيقية لدى أطراف النزاع بأنّ الإقليمَ دخلَ مرحلةً جديدةً، يَتطَلَّبُ فيها شعورُ الأطراف السياسية بأهمية الآخرِ وضرورتِه لتحقيق التكامُلِ، وإدراكُها لمفهومِ توزيعِ الأدوار، والمشاركةِ في تحمّلِ أعباء ومسؤوليات المنظومة السياسية في الشرق الأوسط. 

وأعتقدُ، أنّه آنَ الأوانُ لكلِّ الأطرافِ في العراق، وفي إقليم كوردستان أنْ يستكينَ جانبًا، ويبدأَ التفكيرَ، ويستخلصَ الدروسَ، ويُعْمِلَ العقلَ بنمطٍ فكريٍّ مَرنٍ، بعيدٍ عن المنظومة الفكرية والثقافية والسياسية الكلاسيكية القديمة، ويسعى لإنتاجِ عقدٍ اجتماعيٍّ مُعاصِرٍ ينسجمُ مع منظومةِ الحكمِ المُزمَعِ إقامتُها في الشرق الأوسط. 

وسيُلقِي انكماشُ الدورِ الإيراني في العراق، سواء بالحرب أو بالسلم، وبوجود بقايا النظام الإيراني أو بغيرها، بظلالِه على طبيعة نظام الحكم في العراق، وعلى قُدرةِ الرئيس الجديد لمجلس وزراء العراق في إدارة دفّةِ الحكم، وترويضِ الميليشيات المسلحة، وتطويعِ إدارة الحكم في إقليم كوردستان، وعلى الصِّيغةِ الحديثة للعلاقات العراقية التركية التي ستكتسبُ أهميةً فائِقةً في المدى المنظور، وبالأخصِّ في جُزئِها المُتعلِّقِ بإقليم كوردستان.

وسيَحظَى علي الزيدي، رئيسُ الوزراء، بدعمٍ أمريكي وغربي وعربي مُلفِتٍ للنظرِ، يساعدُه في تثبيت أركان حكمه، ويرفعُ من قدرته على تجاوز المُعوِّقاتِ، ويساهمُ في خلق أجواءٍ مُتناغِمَةٍ بين حكومَتَي بغداد والإقليم، ويُخفّفُ من وَطْأةِ تناقضاتِ العلاقة المتأزمة بينهما.

يبقى أنْ نتابعَ، معًا، وخلال الفترة القادمة، مُمارساتِ علي الزيدي في إدارةِ دفة الحكم، وأهليّتِه فيها، وفي قدرتِه الشخصية على تحمّلِ أعباء هذه المهمة المُعقّدة والمعادلة الصعبة، والتي تتضمّنُ التعاملَ مع ملفّات الميليشيات المسلحة، وملفِّ إقليم كوردستان، والملفِّ التركي.. وسنشهدُ، معًا، إما كفاءةً وأهليَّةً تُحقّقُ له وللعراق مكانةً مرموقةً، أو فشلًا ذريعًا، قد يدفعُ بإدارة ترامب إلى إعادة حساباتِه في العراق، وفي الشرق الأوسط.