لا تقاس قوة الاقتصادات بما تمتلكه من موارد فحسب، بل بقدرتها على إيصال هذه الموارد إلى الأسواق، وحماية تدفقاتها من الاضطرابات، وتقليل اعتمادها على المسارات التي لا تملك السيطرة الكاملة على أمنها وفي حالة العراق، تكتسب هذه المعادلة أهمية استثنائية، لأن النفط الذي يشكل العمود الفقري للإيرادات العامة يرتبط تصديره البحري بالموانئ الجنوبية المطلة على الخليج، ما يجعل أمن الملاحة في مضيق هرمز عنصرا مؤثرا في الاستقرار المالي للدولة وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها.
وتكشف هذه الحقيقة عن مفارقة في الاقتصاد العراقي؛ فالبلاد تمتلك احتياطيات نفطية كبيرة وقدرة إنتاجية مهمة، لكنها تظل معرضة لتأثير التطورات الجيوسياسية التي تقع خارج حدودها. فتعطل حركة الملاحة أو ارتفاع المخاطر الأمنية المحيطة بالناقلات قد يرفع تكاليف النقل والتأمين، ويعقد عمليات الشحن، ويؤثر في انتظام الصادرات. وإذا طال أمد الاضطراب، فقد تتجاوز التداعيات قطاع النفط إلى الإنفاق الحكومي والنشاط الاقتصادي عموما.
وتزداد حساسية العراق لأن الإيرادات النفطية تمول القسم الأكبر من الموازنة العامة، بما تتضمنه من رواتب ونفقات تشغيلية ومشاريع خدمية واستثمارية وهذا يعني أن أمن التصدير ليس ملفا فنيا يخص الجهات النفطية وحدها، بل قضية تتصل بقدرة الدولة على إدارة مواردها وضمان استمرارية التزاماتها فكلما ارتفعت المخاطر التي تهدد تدفق الإيرادات، ازدادت الحاجة إلى سياسات مالية أكثر مرونة وخطط اقتصادية تأخذ في الحسبان احتمالات الأزمات الخارجية.
ولا تكمن المشكلة في اعتماد العراق على مضيق هرمز وحده، بل في محدودية البدائل القادرة على تعويض صادراته الجنوبية بكميات مماثلة وفي مدد زمنية قصيرة. فخطوط الأنابيب والمنافذ البرية والبحرية البديلة تحتاج إلى بنية تحتية متكاملة، واتفاقات مستقرة مع الدول المعنية، وقدرات تشغيلية تسمح بنقل كميات تجارية مجدية. لذلك، فإن تنويع طرق التصدير لا يتحقق بمجرد طرح المشاريع أو توقيع التفاهمات، بل يتطلب انتقالا واضحا من التخطيط إلى التنفيذ.
ويفرض هذا الواقع على العراق التعامل مع أمن الطاقة باعتباره جزءا من الأمن الوطني بمفهومه الشامل. فحماية المنشآت والموانئ، وتطوير قدرات النقل والتخزين، وتحسين إدارة الإيرادات، وتعزيز الاحتياطيات المالية في الفترات الملائمة، كلها عناصر تساعد على تقليل أثر الصدمات. كما أن تنويع الاقتصاد وتوسيع مصادر الدخل غير النفطي من شأنهما تخفيف ارتباط الاستقرار المالي بمسار واحد لتصدير سلعة واحدة.
أما على مستوى السياسة الخارجية، فإن موقع العراق يفرض عليه الحفاظ على علاقات متوازنة مع إيران ودول الخليج والولايات المتحدة وسائر القوى المؤثرة في أمن المنطقة. فبغداد معنية باستقرار الملاحة، لكنها معنية أيضا بمنع انتقال الصراعات الإقليمية إلى أراضيها أو تحويل اقتصادها إلى ساحة لتصفية الحسابات. ويحتاج تحقيق هذا التوازن إلى موقف دبلوماسي يستند إلى المصالح العراقية المباشرة، ويعزز التعاون الإقليمي، ويدعم الحلول التي تحمي التجارة وتحد من احتمالات التصعيد.
ولا يعني ذلك أن العراق يستطيع عزل اقتصاده عن كل أزمة دولية، فالدول المصدرة للطاقة تتأثر بطبيعة الحال بالتقلبات في الأسواق والممرات البحرية؛ لكن الفارق يكمن في مستوى الاستعداد، وفي قدرة المؤسسات على الاستجابة السريعة، وفي وجود خيارات بديلة تقلل حجم الخسائر وتمنع تحول الاضطراب المؤقت إلى أزمة مالية ممتدة.
إن الدرس الأهم الذي يقدمه مضيق هرمز للعراق هو أن السيادة السياسية تحتاج إلى قاعدة اقتصادية قادرة على الصمود فامتلاك الموارد لا يحقق الاستقلال الكامل إذا بقي إيصالها إلى الأسواق معرضا لمخاطر يصعب التحكم بها، كما أن الموقع الجغرافي لا يتحول إلى مصدر قوة ما لم تدعمه بنية تحتية وخطط واقعية وإدارة فعالة للمخاطر.
ومن هنا، فإن التحدي العراقي لا يتمثل في انتظار استقرار المنطقة فحسب، بل في بناء قدرة وطنية على التعامل مع احتمالات عدم الاستقرار فالدول لا تستطيع اختيار موقعها على الخريطة، لكنها تستطيع تطوير خياراتها الاقتصادية، وتوسيع شراكاتها، وتقليل نقاط ضعفها. وعندها فقط تصبح الجغرافيا عاملا يمكن إدارته، لا قيدا يحدد وحده حدود الحركة والقرار.