مثلت شهادة الولي الفقيه للجمهورية الإسلامية الإيرانية، حدثا هز المنطقة والإقليم، بل وصارت له امتدادات عالمية واضحة وستستمر لفترة.. والعراق وبعد فترة إستقرار أمتدت لثلاث سنوات، من أكثر الدول تأثرا بهذا الحدث كمنعطف خطير ضمن الحدث الأكبر، المتمثل في الحرب بين إيران ومن جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى..
تحديد تداعيات مرحلة ما بعد رحيل المرشد الأعلى الإيراني، السيد الخامنئي لن يكون سهلا، لأنه ستترتب على هذا المتغير الكبير تداعيات عميقة تمتد من طهران لبغداد، ومن واشنطن لكامل أرجاء المنطقة.. فإيران التي تعتبر العراق جدارها الإستراتيجي، تضم أجنحة متعددة تلعب أدواراً مؤثرة في تشكيل السياسة الخارجية، مما يجعل العراق في قلب التغييرات الإقليمية القادمة لا محالة..
تتشكل الخريطة السياسية الإيرانية من قوى نافذة تتقاسم صنع القرار، في مقدمتها الحرس الثوري وجهاز المخابرات "الاطلاعات" والجهاز الدبلوماسي، وفوق كل هؤلاء مؤسسة الولي الفقيه.. والذي كان موقفه الأكثر توازنا وإعتدالا ودعما، في تعاطيه مع الشأن العراقي مقارنة بغيره من الأجنحة الأكثر تشددا.. فيما لم يعرف بعد موقف السيد مجتبى الخامنائي في تعامله مع الملف العراقي، خصوصا وهو القادم محملا بأرث والده الراحل، ومسيرته المقربة من الحرس الثوري، في موازنة لن تكون سهلة..
من الواضح ان المواجهة مع أمريكا المستمرة، لن تنتهي بهزيمة إيران، ولن تنتصر فيها أمريكا، فالصراع بينهما من النوع الذي لا ينتهي بهزيمة أو نصر عسكري حاسم، بل هي حرب استنزاف وضغط متبادل, وكل ما يربحه طرف يكون على حساب الآخر، وبالتالي فإن التفاوض القادم لا محالة بينهما، سيدفع كليهما لتقديم تنازلات لصالح الطرف الآخر، والمؤكد أنها ستكون على حساب أطراف أخرى، وربما يكون العراق أول المتأثرين بها، خاصة إذا ما تم الاتفاق على ترتيبات إقليمية جديدة لا تراعي مصالح بغداد، أو تم تمرير مصالح إيرانية أمريكية على حساب الأخرين..
موقف العراق بما يتعلق برؤيته لمستقبله، والخروج من دوامة المشاكل، يتطلب منه موازنة قوية ودقيقة جدا، بين مع إيران والولايات المتحدة، ويمكنه جمع مصالحه مع مصالحهما معاً، بدلاً من الانحياز الكامل لأحدهما.. فكل ساسة العراق يتفقون على أن المرحلة القادمة تختلف تمام عما سبقها، والمنطقة لم تعد كما كانت، وموازين القوى اختلفت، وكل ما كان يُعتقد بصحته سابقا يحتاج لمراجعة نقدية عميقة.. ولم يعد ممكناً التعامل مع الملفات بنفس الطريقة السابقة، مع ظهور تحالفات إقليمية جديدة ومصالح متشابكة.
يتطلب مهارة سياسية فائقة لتحويل المحن التي نعاني منها لمنح وفرص، يمكن استثمارها لتجاوز الأزمة والعبور بالبلد، من خلال تحسين الواقع الاقتصادي والخدماتي للبلد.. وهذا يتطلب وعياً عميقاً بأهمية الموقع الإقليمي للعراق، والسعي لتحويله من دولة تتلاعب بها الأطراف الخارجية، إلى دولة قوية لا يمكن تجاوزها في أي معادلة إقليمية..
كما أن إستثمار الأموال في البنى التحتية مع إنفاق عسكري مبتكر وموجه، والإنفتاح على الاستثمارات العالمية، يمكن أن يكون مفتاحاً حقيقياً للخروج من عنق الزجاجة.
الصراعات في العالم والمنطقة لن تنتهي، والأكثر حدة وإستمرارية سيكون التنافس الإقتصادي، وطرق التجارة العالمية وممرات الطاقة.. والعراق يمتلك موقعاً إستراتيجياً متميزاً في هذا المجال، كونه حلقة وصل بين الشرق والغرب، وممر بري وبحري مهم للتجارة والطاقة، وإستثمار هذه الميزة يمكن أن يعيد تعريف دوره الاقتصادي في المنطقة، ويجعله مركزاً لوجستياً لا غنى عنه، بشرط أن يبتعد عن الصراعات العقائدية ويركز على المكاسب الوطنية.
الكرة الآن في ملعب الساسة العراقيين، ورهانهم الأكبر هو القدرة على قراءة المتغيرات الإقليمية بذكاء شديد، والابتعاد عن سياسة المحاور، والانطلاق نحو بناء الدولة ومؤسساتها وإستثمار الازمات، فالمستقبل ليس محسوماً لأي طرف، وما يحدث اليوم في المنطقة هو إعادة تشكيل للخريطة السياسية والاقتصادية، ونحن مدعوون لأن نكون مشاركين بصناعة هذه الخريطة، لا مجرد أداة ترسم عليها.