يمر العراق في منتصف مارس 2026 بمنعطف استراتيجي هو الأكثر خطورة منذ عقود حيث تحولت الجغرافيا الوطنية إلى ساحة اشتباك كبرى ضمن المواجهة المفتوحة بين واشنطن وإسرائيل من جهة وطهران وحلفائها من جهة أخرى. منذ اليوم الأول لاندلاع هذا الصراع الإقليمي انخرطت الفصائل المسلحة في العراق في حملة تصعيد غير مسبوقة انتقلت من التحرش العسكري إلى الاستهداف الممنهج لـ المربعات السيادية والبنية التحتية وصولاً إلى الهجمات النوعية ليلة أمس التي استهدفت فندق الرشيد بقلب المنطقة الخضراء ومطار أربيل الدولي. إن هذا المسار لا يمثل خرقاً أمنياً فحسب بل هو تقويض بنيوي لكيان الدولة يضع العراق في مواجهة مباشرة مع ميكانيكية البند السابع التي تُعرّف الحالة العراقية الآن كـ تهديد صريح للسلم والأمن الدوليين.

​بالتوازي مع التصعيد في المركز يبرز إقليم كوردستان كهدف ثابت لهذه الهجمات رغم الموقف الاستراتيجي الحازم والمسؤول الذي أعلنته قيادة الإقليم منذ اليوم الأول للصراع والمتمثل في النأي بالنفس ورفض الانجرار إلى سياسة المحاور مع التأكيد المطلق على عدم السماح باستخدام أراضي الإقليم كمنطلق لأي تهديد ضد الجوار. إلا أن هذا الحياد الإيجابي قوبل بحملة قصف وحشية حيث تشير الإحصائيات الميدانية لشهر مارس الجاري وحده إلى تنفيذ أكثر من 290 هجوماً بالصواريخ والمسيرات انتحارية استهدفت مطار أربيل الدولي ومنشآت الطاقة الحيوية كحقل كورمور. إن هذه الضربات التي سجلت ذروتها بـ 31 عملية في يوم واحد تهدف بوضوح إلى ضرب استقرار الإقليم واقتصاده القوي ومحاولة النيل من مكانته كواحة للأمن والاستثمار في منطقة مضطربة.

ولكي يدرك القارئ حجم الخطر فإن العودة للبند السابع في القانون الدولي تعني نزع الأهلية السيادية عن الدولة ككل. فالمادة 39 من ميثاق الأمم المتحدة تمنح مجلس الأمن صلاحية التدخل إذا ثبت عجز السلطة المركزية عن حماية البعثات والمنشآت الحيوية. إن ضرب فندق الرشيد ليلة أمس بما يمثله من حصن للدبلوماسيين يُعد دليلاً قانونياً على العجز التشغيلي في بغداد. هذا الانكشاف يشرعن تدويل الملف الأمني فالبند السابع يبدأ بـ العقوبات الذكية وتجميد الأصول النفطية وينتهي بالتدخل العسكري القسري بموجب المادة 42 لحماية المصالح الدولية التي باتت تحت رحمة مسيرات الفصائل التي لا تفرق بين هدف عسكري ومنشأة مدنية.

​إن شبح البند السابع الذي يلوح في الأفق ليس مجرد احتمال سياسي بل هو مقصلة مالية فإذا صُنّف العراق بيئة مارقة سيسقط الغطاء القانوني الذي يحمي أمواله في الخارج مما يفتح الباب لعودة مطالبات التعويضات الدولية التي ستنهش ميزانية البلاد وتؤدي لتمزيق النسيج الاجتماعي نتيجة الانهيار الاقتصادي. إن الهجمات التي تستهدف أربيل رغم التزام حكومة الإقليم بالشرعية الدولية والدستورية لا تضعف خصماً خارجياً بل تنحر السيادة العراقية برمتها وتقدم مبررات التدويل على طبق من ذهب للقوى الكبرى المتضررة من انهيار أمن الطاقة والملاحة الجوية.

​أما الطريق الوحيد والأوحد لإبعاد هذا الشبح فهو استعادة الدولة لـ احتكار القوة فوراً وبلا مواربة لا يمكن للعراق النجاة عبر بيانات الاستنكار بل عبر إجراءات ميدانية حاسمة تشمل إعلان المناطق الدبلوماسية والمنشآت الحيوية في إقليم كوردستان والمركز مناطق محرمة السلاح وتجريم أي نشاط عسكري خارج إطار الدولة باعتباره خيانة عظمى تمس الأمن القومي إن السيادة في مارس 2026 تُقاس بالقدرة على حماية فندق في بغداد ومطار في أربيل فإما أن تفرض الدولة قانونها الداخلي بقوة السلطة أو أن المجتمع الدولي سيفرض قانونه القسري نيابة عنها إن البند السابع لا ينتظر التوازنات السياسية بل ينتظر سقوط آخر معاقل الهيبة الرسمية تحت أنقاض الصواريخ المنفلتة.