هل يمكن أن يكون الماضي أفضل من الحاضر؟

حين نتحدث عن العراق، لا نتحدث عن دولة عادية؛ فنحن أمام بلد يمتلك النفط والمياه والأرض الزراعية والموقع الجغرافي والتاريخ الحضاري والموارد البشرية. ومع ذلك، فإن المقارنة بين مراحل مختلفة من تاريخ العراق تكشف مفارقة مؤلمة: بلدٌ كان يمتلك في مراحل سابقة مؤسسات أكثر انتظاماً، وعملة أكثر قوة، ومشاريع تنموية واضحة، بينما لا تزال الدولة الحديثة تبحث عن تحويل ثرواتها إلى تنمية مستدامة.

لكن هذه المقارنة تحتاج إلى إنصاف؛ فالعراق القديم لم يكن نموذجاً مثالياً، كما أن العراق الحالي حقق تطورات مهمة في مجالات عديدة. المشكلة الأساسية هي الفجوة بين إمكانات العراق وبين ما تحقق فعلياً.

العملة.. من الدينار القوي إلى أزمة الثقة

تاريخ الدينار العراقي يقدم أحد أوضح الأمثلة.

بحسب البنك المركزي العراقي، ارتبط الدينار بالباون البريطاني حتى عام 1959، ثم بالدولار الأميركي بسعر 2.8 دولار للدينار الواحد. وبعد ذلك، وفي عامي 1971 و1973، ارتفعت قيمة الدينار إلى نحو 3.3778 دولار للدينار الواحد. واستمر السعر الرسمي عند مستويات مرتفعة حتى حرب الخليج.

لكن الصورة تغيرت جذرياً خلال التسعينيات؛ فبعد الحرب والحصار والتوسع في الإصدار النقدي، يذكر البنك المركزي أن سعر السوق بلغ في نهاية عام 1995 نحو 3000 دينار للدولار الواحد.

وهنا يجب الانتباه إلى نقطة مهمة: قوة العملة ليست وحدها دليلاً على قوة الاقتصاد؛ لأن سعر الصرف يتأثر بنظام الصرف والاحتياطيات والسياسة النقدية والأسعار المحلية. لكن تاريخ الدينار يظل مؤشراً واضحاً على حجم التحولات التي مر بها الاقتصاد العراقي.

الاقتصاد.. المشكلة ليست في غياب الثروة

في خمسينيات القرن الماضي كان العراق يملك فرصة تنموية كبيرة.

وثيقة للبنك الدولي عن تاريخ التنمية العراقية تشير إلى أن مرحلة ما بعد 1950 بدأت بتراكم واضح في مشاريع التنمية، مع إنشاء مجلس الإعمار عام 1950 وتخصيص جزء كبير من إيرادات النفط للاستثمار، وتركزت الخطط على السيطرة على الفيضانات والري واستصلاح الأراضي والطرق والصناعة والطاقة والصحة والتعليم والإسكان.

وهذا يعني أن فكرة الدولة التنموية لم تكن غائبة عن العراق؛ بل كانت هناك محاولة لربط النفط بالبنية التحتية والإنتاج.

لكن العراق دخل بعد ذلك في سلسلة طويلة من الانقلابات والصراعات والحروب والعقوبات والعنف، فتغيرت أولويات الدولة من البناء والتنمية إلى الأمن والحرب وإدارة الأزمات.

واليوم ما زال الاقتصاد شديد الاعتماد على النفط.

فبحسب البنك الدولي، شكّل النفط في عام 2025 نحو 53% من الناتج المحلي الحقيقي، و88% من إيرادات الحكومة، و91% من صادرات السلع.

وهنا تكمن المفارقة: بلد نفطي لم يستطع حتى الآن أن يجعل النفط وسيلة لبناء اقتصاد متنوع ومستدام بالقدر الكافي.

التعليم.. من الاستثمار المبكر إلى أزمة رأس المال البشري

العراق كان من أوائل بلدان المنطقة التي استثمرت في التعليم والصحة، بحسب البنك الدولي، لكن عقود الصراع أضعفت رأس المال البشري والمؤسسات التعليمية.

وتظهر وثائق البنك الدولي أن معدلات الالتحاق بالتعليم الابتدائي بلغت نحو 64% والثانوي 25% عام 1970، مع وجود خطط لتوسيع التعليم الفني والمهني والتعليم الجامعي.

أما اليوم، فالمشكلة لم تعد فقط في الوصول إلى المدرسة، وإنما في جودة التعليم والبنية التحتية والازدواج والثلاثي في الدوام ونقص الأبنية.

ويشير البنك الدولي إلى أن العراق يحتاج إلى نحو 10 آلاف بناية مدرسية إضافية، وأن بعض المدارس تعمل بنظام الدوام المزدوج أو الثلاثي نتيجة نقص البنية التحتية.

وهذا لا يعني أن التعليم الحالي لم يحقق أي تقدم؛ بل إن العراق يعمل على إعادة بناء المدارس وتطوير تدريب المعلمين والأنظمة الرقمية التعليمية. لكن حجم الاحتياج يكشف أثر عقود الصراع والانقطاع التنموي.

الأمن.. من دولة مركزية إلى عقود من الصراع

ربما تكون المقارنة الأمنية هي الأكثر وضوحاً.

العراق منذ الثمانينيات دخل في سلسلة متواصلة من الحروب والأزمات: الحرب العراقية الإيرانية، حرب الكويت، العقوبات، حرب 2003، العنف الطائفي، ثم تنظيم داعش.

ويصف البنك الدولي تاريخ العراق الحديث بأنه مر بمراحل من الحرب والتمرد والإرهاب والاحتلال والصراع الطائفي والنزوح. وفي عام 2014 وحده أدت هجمات داعش والعمليات العسكرية إلى نزوح مئات الآلاف.

وفي دراسة أخرى للبنك الدولي، قدرت الوفيات المدنية الناتجة عن العنف منذ 2003 بنحو 123 ألف وفاة موثقة حتى 2012، مع بلوغ الوفيات الناجمة عن العنف ذروة تقارب 29 ألف وفاة سنوياً عام 2006.

وهكذا أصبح الأمن في العراق خلال عقود طويلة يستهلك جزءاً كبيراً من طاقة الدولة والمجتمع، على حساب التنمية.

السياسة والبرلمان.. المشكلة ليست في وجود المؤسسات فقط

العراق عرف الحياة البرلمانية منذ تأسيس الدولة الحديثة، ووجود البرلمان في حد ذاته ليس جديداً على العراقيين.

لكن التحدي الحقيقي كان ولا يزال في استقرار النظام السياسي واستمرارية المؤسسات وقدرتها على إنتاج سياسات طويلة الأمد.

فالدولة التي تغير أولوياتها بصورة متكررة لا تستطيع بسهولة تنفيذ مشروع تنموي يمتد لعشرين أو ثلاثين سنة.

وهذه واحدة من أهم الفوارق بين الدول التي استطاعت تحويل مواردها إلى تنمية والدول التي بقيت رهينة للأزمات: ليست المسألة في عدد القوانين أو عدد المؤسسات فقط، وإنما في استمرارية الدولة وقدرتها على تنفيذ السياسات بصرف النظر عن تغير الحكومات.

وماذا عن الحاضر؟

من الإنصاف ألا نرسم صورة سوداء بالكامل.

العراق اليوم ليس عراق 2006 ولا عراق 2014.

فبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي أعلن في تقرير التنمية البشرية الوطني لعام 2025 أن مؤشر التنمية البشرية الوطني للعراق ارتفع إلى 0.712 في عام 2024 وفق منهجية التقرير الوطني، ودخل العراق لأول مرة ضمن فئة التنمية البشرية المرتفعة وفق هذا القياس الوطني.

كما تشير بيانات البنك الدولي إلى أن متوسط العمر المتوقع في العراق بلغ 72 عاماً عام 2024، وانخفضت وفيات الأطفال دون الخامسة بصورة كبيرة منذ التسعينيات.

إذن الصورة ليست «الماضي جيد والحاضر سيئ» بصورة مطلقة.

الصورة الأكثر دقة هي:

العراق حقق تعافياً وتقدماً في بعض المؤشرات، لكنه لم يستثمر ثروته وإمكاناته بالسرعة والحجم اللذين يحتاجهما مجتمع شاب ومتزايد السكان.

لماذا نشعر أن الماضي كان أفضل؟

لأن المواطن لا يقيس الدولة بالناتج المحلي فقط.

هو يقيسها بسؤال بسيط:

هل أستطيع أن أعيش بأمان؟

هل أجد عملاً؟

هل أستطيع أن أتعالج؟

هل أجد مدرسة جيدة لأطفالي؟

هل الكهرباء والماء والخدمات مستقرة؟

هل راتبي يحافظ على قيمته؟

هل القانون يطبق على الجميع؟

هل الدولة تملك مشروعاً واضحاً للمستقبل؟

عندما تكون الإجابات غير مستقرة، فإن المواطن يبدأ بمقارنة حاضره بماضيه، حتى لو كانت بعض المؤشرات الاقتصادية الحالية أفضل من السابق.

العراق والدول التي سبقتنا

الدول التي كانت ظروفها في الماضي أصعب من العراق استطاعت في مراحل مختلفة أن تحول مواردها إلى مؤسسات واقتصاد منتج.

كوريا الجنوبية، على سبيل المثال، انتقلت خلال عقود من اقتصاد منخفض الدخل إلى اقتصاد صناعي متقدم. وبعض دول الخليج حولت عائدات النفط إلى بنية تحتية وصناديق استثمار وتنويع اقتصادي.

أما العراق، فظل لفترات طويلة يعتمد على النفط لتمويل الدولة، بينما بقي القطاع الخاص ضعيفاً، وسوق العمل غير قادر على استيعاب الأعداد المتزايدة من الشباب.

وهنا تكمن القضية الحقيقية:

ليست مشكلة العراق أنه لا يملك المال، بل أن تحويل المال إلى إنتاج وتنمية ومؤسسات مستقرة ما زال أقل من حجم الإمكانات المتاحة.

الخلاصة

العراق ليس بلداً انتهى ماضيه، ولا بلداً فشل حاضره بالكامل.

العراق بلد انقطعت فيه مسيرة التنمية مرات عديدة بسبب الانقلابات والحروب والعقوبات والإرهاب والصراعات السياسية والاقتصادية.

ولذلك فإن السؤال الصحيح ليس:

هل كان العراق أفضل في الماضي أم اليوم؟

بل:

لماذا لم يستطع العراق أن يجعل حاضره امتداداً لتجارب التنمية التي بدأها في الماضي، ولماذا لم يحول ثروته النفطية إلى اقتصاد متنوع ودولة مؤسسات وخدمات مستدامة؟

إن استعادة أفضل ما في الماضي لا تعني العودة إلى الماضي؛ بل تعني استعادة فكرة الدولة، والتخطيط، والانضباط المؤسسي، وربط الثروة بالإنتاج، ووضع التعليم والصحة والبنية التحتية والأمن وسيادة القانون في قلب مشروع وطني طويل الأمد.

فالعراق لا يحتاج إلى أن يعيش على ذكريات الدينار القوي أو بغداد القديمة أو مشاريع الستينيات والسبعينيات؛

العراق يحتاج إلى أن يصنع مستقبلاً يجعل الأجيال القادمة هي التي تقول: كان حاضر العراق أفضل من ماضيه.