ليس كل انسحاب في طبيعة معناه يعد خروجا اعتيادي ، كما أن مغادرة الجنود من نقطة تمركزهم في بقعة جغرافية ما لا تعني بالضرورة مغادرة النفوذ منها ، ففي " العراق " تبدو نهاية سبتمبر 2026 وكأنها تقف على حافة تاريخ جديد ، حيث تؤكد بغداد أن الثلاثين من سبتمبر سيكون الموعد النهائي لإنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي ضد تنظيم داعش واستكمال مغادرة قواته ، بعد سنوات طويلة من الوجود العسكري الدولي الذي بدأ في سياق مختلف تماما حين كان العراق يواجه تهديدا وجوديا من تنظيم احتل المدن وأعاد رسم الخوف على خرائط البلاد ، الا أن السؤال الحقيقي الذي يطرح نفسه هنا ليس ، في : هل سيرحل الجنود حقا ؟ بل ان السؤال الأكثر عمقا : من سيملأ المساحة التي يتركها هذا الرحيل؟

فالسياسة في مجملها لا تعرف الفراغ ، وحين تنسحب قوة دولية من أرض ما فإنها لا تترك خلفها مساحة بيضاء بل تفتح مجالا جديدا للتنافس على النفوذ والقرار والاتجاه ، لذلك فأن المواطن العراقي اليوم أمام لحظة مختلفة تماما ، فبالنسبة اليه قد يبدو القرار للوهلة الأولى شأنا عسكريا بعيدا عن تفاصيل حياته اليومية لكنه في الحقيقة يمكن أن يتحول إلى نقطة تماس مباشرة مع مستقبله ، فإذا استطاعت الدولة العراقية أن تثبت قدرتها على حماية حدودها ومدنها ومؤسساتها وأن تجعل السلاح خاضعا لسلطة الدولة ، وأن تبني مؤسسة أمنية قادرة على العمل بعيدا عن الوصاية الخارجية ، فإن الانسحاب يمكن أن يتحول من مجرد خروج قوات أجنبية إلى بداية لاستعادة معنى الدولة

أما إذا بقيت الدولة موزعة بين مراكز قوة متعددة فإن خروج القوات الأجنبية لن يعني بالضرورة أن العراق أصبح أكثر استقلالا ، فقد ينتقل الصراع من سؤال : من يحمي العراق؟ إلى سؤال أخطر : من يملك القرار العراقي؟ ، وهنا تكمن المفارقة الكبرى ، حيث قد يرحل الجندي الأجنبي من القاعدة بينما يبقى نفوذ الخارج على ذات الأرض في الاقتصاد ، والسلاح ، والطاقة ، والدبلوماسية ، وشبكات المصالح ، والعلاقات الإقليمية ، ولهذا فإن السيادة لا تقاس بعدد الجنود الذين يغادرون البلاد بل بقدرة الدولة على اتخاذ قرارها دون أن تضطر إلى استرضاء قوة خارجية أو الخضوع لابتزاز داخلي ، فالانسحاب اليوم يأتي كاختبار للقرار السياسي العراقي الفعلي 

إن انتهاء مهمة التحالف الدولي اليوم من على الأراضي العراقية لا يمثل تحولا أمنيا بمعناه المتعارف عليه بل سيصبح تحولا في بنية القرار السياسي العراقي اجمع ، فالوجود العسكري الدولي كان بصورة أو بأخرى أحد عناصر التوازن داخل المشهد العراقي ومع غيابه ستجد القوى السياسية نفسها أمام سؤال جديد : هل تستطيع إدارة توازناتها من دون مظلة خارجية؟ ، وهذا السؤال الأكثر خطورة من سؤال الانسحاب نفسه ، لأن العراق لم يكن طوال السنوات الماضية مجرد دولة تستضيف قوات أجنبية بل كان أيضا ساحة تتقاطع فيها مصالح " الولايات المتحدة وإيران وتركيا ودول الخليج " وقوى دولية أخرى ، وبالتالي فإن خروج التحالف قد يعيد ترتيب قواعد اللعبة ، وقد تصبح بغداد أكثر قدرة على صياغة سياسة خارجية مستقلة إذا نجحت في الإمساك بالخيوط الداخلية ، لكنها في المقابل قد تصبح أكثر تعرضا لضغوط القوى الإقليمية إذا ضعفت مؤسسات الدولة أو تصاعد التنافس على النفوذ

ولذلك فإن الانسحاب قد يكون فرصة للسيادة ، لكنه قد يتحول أيضا إلى اختبار للسيادة في ذات الوقت ، وهنا علينا أن نضع سؤال جوهري للمشهد ، في : هل يكون الانسحاب بذلك انسحاب فعلي أم إعادة تموضع ؟ ، فالإعلان العراقي يتحدث عن نهاية المهمة العسكرية ومغادرة قوات التحالف ، والجانب الأمريكي يؤكد أن القوات العراقية باتت قادرة على مواجهة داعش داخل العراق بصورة مستقلة مع انتقال العلاقة نحو نمط أمني ودفاعي مختلف ، الا أن وصف العملية بأنها مجرد " انسحاب أمني دفاعي" سيكون تبسيطا غير دقيق ، ففي الوقت ذاته لا ينبغي أن نفهم الانسحاب العسكري باعتباره نهاية النفوذ الأمريكي أو نهاية العلاقات الأمنية بين بغداد وواشنطن ، حيث أن الولايات المتحدة والعراق كانا قد اتفقا منذ 2024 على انتقال تدريجي من مهمة التحالف إلى علاقة أمنية ثنائية ، كما أن الوثائق الأمريكية تحدثت عن انتقال المهمة وليس عن قطع العلاقات الأمنية ، وبناء على ذلك فنحن نكون أمام انسحاب من صيغة لا بالضرورة انسحاب من العلاقة ، وهذه نقطة شديدة الأهمية ، فالجنود قد يغادرون لكن التعاون الاستخباري والتدريب والتسليح والعلاقات الدفاعية يمكن أن تستمر بأشكال أخرى 

ومن هنا فإن السؤال الأكثر ذكاء في ذلك ليس : هل انسحبت القوات الأمريكية من المشهد العراقي ؟ بل : ما شكل العلاقة التي ستولد بعد الانسحاب؟ ، ولعل أخطر ما يجعل نهاية سبتمبر لحظة سياسية لا عسكرية فقط هو ارتباطها بملف السلاح خارج مؤسسات الدولة ، فالحكومة العراقية وضعت موعد 30 سبتمبر نفسه في قلب الجدل المتعلق بنزع سلاح الجماعات المسلحة ، في محاولة لربط انتهاء وجود التحالف بانتقال العراق إلى مرحلة يكون فيها السلاح والقرار الأمني أكثر احتكارا من قبل الدولة ، ليصبح المشهد من هنا بالغ الحساسية ، فإذا خرجت القوات الأجنبية وبقيت الأسلحة خارج الدولة فإن العراق سيكون قد أنهى وجود قوة أجنبية من دون أن ينهي تعدد مراكز القوة داخله ، أما إذا تزامن الانسحاب مع تعزيز احتكار الدولة للسلاح ، فإن سبتمبر 2026 قد يسجل بوصفه أكثر من مجرد تاريخ عسكري ، حيث قد يصبح تاريخا لإعادة تعريف الدولة العراقية ذاتها ، كما أن هناك بعد آخر لا يمكن تجاهله في عملية الانسحاب هذه ، وهو أن العراق يقع في قلب منطقة تتقاطع فيها " واشنطن وطهران " وظل لسنوات طويلة ساحة للتوتر غير المباشر بينهما ، ولذلك فإن انتهاء الوجود العسكري للتحالف قد يمنح بغداد مساحة أوسع للمناورة لكنه قد يضعها أيضا أمام ضغوط أكبر للحفاظ على توازن علاقاتها ، وهنا تظهر قدرة السياسة العراقية الحقيقية ، لان العراق القوي ليس عراقا يختار عاصمة أجنبية ضد أخرى وإنما عراق يستطيع أن يقول لواشنطن : نحن دولة ولسنا قاعدة ، ويستطيع في الوقت نفسه أن يقول لطهران : نحن جار ولسنا تابعا ، ويستطيع أن يقول لجيرانه جميعا : مصالحنا لا تُدار بالوكالة ، وإذا وصلت بغداد إلى هذه المرحلة فإن الانسحاب سيكون مكسبا استراتيجيا حقيقيا ، أما إذا استبدل نفوذ خارجي بنفوذ خارجي آخر فإن التاريخ سيكون قد غير أسماء اللاعبين فقط لا قواعد اللعبة 

ففي نهاية كل ذلك لا قيمة سياسية كبرى لأي انسحاب إذا لم يشعر المواطن العراقي أن الدولة أصبحت أكثر أمنا ، وأن القانون أصبح أقوى ، وأن القرار أصبح أكثر استقلالا ، وأن مستقبله لم يعد رهينة للصراع بين القوى الكبرى ، فالمواطن لا يريد فقط أن يرى الجنود يغادرون بل يريد أن يرى الخوف باكمله يغادر ، يريد دولة لا تحتاج إلى قوة أجنبية كي تحمي حدودها ، ولا تحتاج إلى جماعة مسلحة كي تحمي نظامها ، ولا تحتاج إلى دولة إقليمية كي تمنحها شرعية القوة ، يريد أن تصبح بغداد حرفيا صاحبة القرار في بغداد ذاتها ، ومن هنا تحديدا يمكن أن يتحول سبتمبر 2026 إلى نقطة تحول حقيقية ، ليس لأن آخر جندي أجنبي سيغادر الأرض العراقية كأي مشهد للمغادرة وإنما لأن العراق سيكون أمام امتحان تاريخي ، وهو : هل يستطيع أن يحول غياب القوة الأجنبية إلى حضور للدولة؟ ، وذلك هو السؤال الذي سيحسم معنى ذلك الانسحاب 

فإن نجحت بغداد أمام هذا الامتحان التاريخي فسيكون سبتمبر بداية مرحلة جديدة ، مرحلة يصبح فيها الأمن صناعة عراقية والسياسة قرارا عراقيا ، والسيادة ممارسة لا شعارا ، وإن فشلت فسيكتشف العراقيون أن الاحتلال العسكري يمكن أن ينتهي بينما يستمر الاحتلال السياسي بأشكال أكثر نعومة وأشد غموضا ، ففي عالم السياسة لا تختفي الإمبراطوريات دائما عندما تغادر الدبابات ، بل أحيانا تغادر الدبابة ويبقى ظلها ثابتا على الأرض متمسكا بها بكل ما يملك ، وأحيانا أخرى يكون أعظم انتصار للدولة ليس في طرد الآخر بل في أن تصبح هي قادرة على الوقوف وحدها دون أن تسقط في حضن بديل ، ومن هنا فإن " سبتمبر 2026 " ليس مجرد موعد للانسحاب ، إنه موعد لاختبار العراق ذاته ، في : هل سيصبح دولة تستطيع أن تحكم الفراغ ، أم أن الفراغ هو من سيعاد تدويره ليحكمها ؟ .