تُحيي الإنسانية في الثلاثين من آب كل عام اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، وهي مناسبة لا تهدف إلى مجرد التذكير بالضحايا بل لإيقاظ الضمير القانوني والدولي تجاه واحدة من أكثر الجرائم جسامة، فالاختفاء القسري لا يستهدف الفرد المحتجز فحسب بل يُبقي مجتمعاً بأكمله وأسراً في حالة من الحداد المعلق والانتظار اللانهائي. في الأدبيات القانونية والدولية لا تُصنّف هذه الظاهرة كمجرد مخالفة إجرائية بل هي جريمة مستمرة ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم طالما ظل مصير الضحية مجهولاً، إن قراءة هذا الملف في الشرق الأوسط وتحديداً في العراق وإقليم كوردستان تتطلب الانتقال من عاطفة الفجيعة إلى تفكيك البنية التراكمية لهذه الأزمة وعواقبها على الاستقرار المجتمعي وسيادة القانون.

​ البنية التراكمية للجريمة وتوزيع الكلفة الوطنية

​شهد التاريخ الحديث للمنطقة محطات قاسية من التغييب الممنهج وتوزعت كلفة هذه المأساة على مختلف المكونات والجغرافيات الوطنية ضمن مسار تراكمي يُبرز خطورة الأثر الممتد للجريمة عبر الأجيال :

​التغييب الهيكلي التاريخي (الفيليون والأنفال).. تمثل في التغييب الممنهج لآلاف الشباب من الكورد الفيليين والبارزانيين وصولاً إلى حملات الأنفال التي غيبت مجتمعات بأكملها وشوهت البنية الديموغرافية والاجتماعية إن التعامل مع هذه الجرائم بوصفها ملفات أرشيفية يغفل واقع أن آثارها القانونية والاقتصادية لا تزال ممتدة إلى أحفاد الضحايا.

​جرائم تنظيم داعش الإرهابي والإبادة الجماعية.. شهدت فترة سيطرة تنظيم داعش واحدة من أشرس صور التغييب القسري، حيث تُوجّت باختطاف وتغييب آلاف النساء والأطفال والرجال من المكون الإيزيدي في سنجار إضافة إلى آلاف المفقودين والمختفين من مختلف المكونات (الكورد، العرب، التركمان والمسيحيين) خلال العمليات العسكرية والأحداث المرافقة لها.

​التغييب في سياق التحولات السياسية.. امتداداً من تصفيات العقود السابقة إلى المحطات الحديثة التي رافقت الحراكات الاحتجاجية والتظاهرات في مدن الجنوب والوسط حيث تعرض العديد من النشطاء والشباب للتغييب القسري مما عمّق أزمة الثقة بين الشارع والمؤسسة الأمنية.

​إن الآثار المترتبة على هذه المحطات تحولت من فجيعة إنسانية إلى عبء قانوني واقتصادي ممتد؛ حيث وجدت آلاف الأسر نفسها معلقة بين إجراءات إدارية معقدة لإثبات الوفاة أو إدارة الملكية والوصاية مما حول الغياب إلى أزمة حوكمة مجتمعية.

​ التكييف الدستوري وتفكيك الفجوة التنفيذية

​تستند حماية الحريات في الدستور العراقي إلى مواد صريحة مثل المادة (15) التي تكفل الحق في الحياة والحرية والأمان والمادة (19/ ثاني عشر) التي تحظر الاحتجاز أو الحبس في غير الأماكن المخصصة لذلك إضافة إلى الالتزامات الدولية الناتجة عن مصادقة العراق على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري عام 2010.

​ورغم هذا التأطير الدستوري فإن التحليل الحقوقي يكشف عن فجوة هيكلية تعود لسببين رئيسيين:

​القصور التشريعي وثغرة الإفلات من العقاب.. غياب قانون وطني خاص يُكيّف الاختفاء القسري كجريمة مستقلة لا تسقط بالتقادم ولا تشملها قوانين العفو العام مع تجريم حجب سجلات الأجهزة الأمنية والمجاري القضائية أو محاكمة المتهمين أمام محاكم استثنائية.

​التعقيد الإجرائي للأمهات والزوجات.. يفرض النظام الإداري الحالي اشتراطات معقدة لإثبات الوفاة كشرط لنيل الحقوق التقاعدية والمالية وهو ما يضع الأسر بين فكي حرمان الحقوق المالية أو التخلي القسري عن أمل معرفة مصير المختفي.

​ العدالة الانتقالية والتمكين البنيوي للناجيات

​إن معالجة ملف بهذا الحجم تتطلب تجاوز الحلول الإدارية الترقيعية وتبني مسارٍ شامل للعدالة الانتقالية يقوم على دعامتين:

​تجاوز التشتت المؤسساتي والتتبع الجيني.. تتوزع ملفات المفقودين حالياً بين مؤسسات متعددة (وزارة الشهداء والمؤنفلين في الإقليم، مؤسسة الشهداء في بغداد ودائرة الطب العدلي) مما يربك جهود التوثيق، يتطلب الحل إنشاء مرصد موحد للبيانات الجينية (DNA) يربط جهود أربيل وبغداد وفق بروتوكولات علمية محصنة.

​النساء كصانعات للعدالة وليس كضحايا.. التحول من التعاطي مع الناجيات والأمهات والزوجات من منظور الرعاية السلبية إلى التمكين الفاعل، عبر حمايتهن قانونياً وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي المستدام وإشراكهن رسمياً في اللجان الوطنية والدولية المعنية بالتقصي والعدالة.

​ رؤية تنفيذية ودبلوماسية لصنّاع القرار

​بمناسبة هذا اليوم الدولي، تُرفع هذه الرؤية التنفيذية إلى التشريعيين وصنّاع القرار والبعثات الدبلوماسية والمثلية الدائمة للعراق لدى الأمم المتحدة:

​التشريع والقضاء الوطني.. الإسراع بسن قانون وطني يعتبر جريمة الاختفاء القسري مستمرة وغير قابلة للتقادموإخضاع جميع المتهمين للقضاء المدني العادي وتجريم أي إخفاء لبيانات وسجلات المحتجزين.

​الحماية الإدارية والمالية المرنة.. استحداث شهادة غياب مؤقتة تُصدرها المحاكم الإدارية بآليات موجزة تتيح للزوجات والأمهات إدارة الملكيات وتلقي المستحقات الرعائية والمالية دون تقييدهن باشتراط إثبات الوفاة الرسمي.

​المرصد الموحد للذاكرة والتتبع الجيني.. إنشاء قاعدة بيانات رقمية مركزية ومستقلة للمفقودين والمختطفين (تغطي ملفات الإيزيديين، الأنفال، الفيليين وضحايا داعش) بربط مؤسساتي وتنفيذي كامل بين بغداد وأربيل وتنسيق أممي.

​الربط المالي المستدام للطب العدلي.. تخصيص ميزانيات ثابتة ومحمية ضمن الموازنة العامة لدعم مختبرات الـ DNA وتأهيل الكوادر الوطنية المتخصصة في فتح المقابر الجماعية وحفظ الأدلة.

​الدبلوماسية الحقوقية والمظلة الأممية.. حَث الممثلية الدائمة للعراق لدى الأمم المتحدة والبعثات الدبلوماسية على تقديم مشروع قرار إلى لجنة الاختفاء القسري ومجلس حقوق الإنسان يهدف إلى:

​إدراج الملفات التاريخية والحديثة ضمن مسار حماية أممي مستدام وإنشاء صندوق تعويضات وتمكين دولي مخصص لأسر المختفين قسراً لتجاوز الآثار الاقتصادية والقانونية الممتدة للجريمة عبر الأجيال.

​تدشين آلية تتبع إقليمية عابرة للحدود  بالتعاون مع الإنتربول واللجان الأممية لملاحقة وتحديد مصير المختطفين والمختطفات (خاصة الملف الإيزيدي وضحايا داعش).

​إنشاء نظام الوصاية القانونية العابرة للأجيال لضمان استخراج الوثائق وتثبيت الحقوق المدنية لأبناء وأحفاد الضحايا في كافة المعاملات الوطنية والدولية.

​تأسيس مجلس استشاري أممي دائم لأسر الضحايا والناجيات يتبع للفريق العامل المعني بالاختفاء القسري (WGEID)، ليمنح ممثلي الأمهات والزوجات والناجيات مقعداً ثابتاً لمراقبة آليات التقصي والعدالة الانتقالية.

إن إنهاء ملف الاختفاء القسري ليس مجرد استجابة لمتطلبات ودواعي المناسبات الدولية بل هو ركن أساسي لبناء السلم الأهلي واستعادة الثقة في مؤسسات الدولة، إن إنصاف الضحايا في كافة المدن والمحافظات ومن جميع المكونات وتقديم الإجابات الشافية لأسرهن وترجمة المبادئ الدستورية إلى نصوص قانونية ودبلوماسية قاطعة يُعد الاختبار الحقيقي لسيادة القانون والخطوة الأهم لضمان عدم تكرار الماضي بكل آلامه.