في السنوات الأخيرة لم تعد الطاقة الشمسية مجرد خيار بيئي تتحدث عنه التقارير الدولية أو المؤتمرات المناخية، بل أصبحت جزءاً أساسياً من النقاش العالمي حول أمن الطاقة والاستقرار الاقتصادي. فمع الارتفاع المستمر في الطلب على الكهرباء، والتقلبات الجيوسياسية التي تؤثر في أسواق النفط والغاز، بدأت العديد من الدول تنظر إلى مصادر الطاقة المتجددة باعتبارها إحدى أهم أدوات الاستقلال الطاقوي وتقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد على الوقود الأحفوري.

وفي منطقة مثل الشرق الأوسط، التي تتمتع بواحدة من أعلى معدلات الإشعاع الشمسي في العالم، تبدو الطاقة الشمسية فرصة طبيعية ومنطقية. فهي ليست فقط وسيلة لحماية البيئة، بل أيضاً أداة لبناء أنظمة طاقة أكثر استقراراً ومرونة في مواجهة الأزمات.

العراق تحديداً يقف اليوم أمام مفارقة واضحة. فهو بلد يمتلك رابع أكبر احتياطي نفطي في العالم، وينفق مليارات الدولارات سنوياً على قطاع الكهرباء، ومع ذلك ما تزال أزمة الكهرباء جزءاً من الحياة اليومية للمواطنين. ففي أشهر الصيف، حيث تتجاوز درجات الحرارة الأربعين مئوية في معظم المدن، يتحول انقطاع الكهرباء إلى أزمة اجتماعية واقتصادية حقيقية.

وعلى مدى أكثر من عقدين، أعلنت الحكومات المتعاقبة عشرات الخطط والبرامج لإصلاح قطاع الكهرباء، إلا أن النتائج بقيت محدودة مقارنة بحجم الإنفاق والموارد المتاحة.

الانهيار الكبير 

في الرابع من مارس 2026 لم تعد هذه المخاوف نظرية. فقد أعلنت وزارة الكهرباء العراقية انقطاعاً تاماً للتيار الكهربائي في جميع المحافظات دفعة واحدة. وأفاد مسؤول وحدة السيطرة في الوزارة إحسان جابر الساعدي بأن الخلل بدأ في محطات الكهرباء في البصرة وذي قار والمثنى وميسان، أي في الجنوب بالكامل، قبل أن تمتد تداعياته بشكل متسلسل لتطال عموم البلاد بما فيها بغداد والمنطقة الخضراء.

وفي الوقت نفسه، أشار متحدث الوزارة إلى عامل إضافي تمثل في انخفاض مفاجئ في إمدادات الغاز الإيراني التي تُشغّل محطة الرميلة للتوليد في البصرة. وبينما نفت الجهات المختصة في الأمن السيبراني تعرض المنظومة لهجوم إلكتروني وأرجعت ما حدث إلى خلل فني، فإن النتيجة بقيت واحدة: شبكة كهربائية مركزية يمكن أن تنهار بالكامل بسبب تعطل نقطة واحدة فيها.

الجنوب العراقي يعاني من معادلة أكثر تعقيداً. فهو المنطقة التي تحتضن معظم الثروة النفطية في البلاد، ومع ذلك تعتمد محطات كهربائه بشكل كبير على الغاز الطبيعي المستورد من إيران. وهذا يعني أن أي توتر سياسي أو اضطراب في الإمدادات يمكن أن ينعكس مباشرة على استقرار الكهرباء في بلد يعد من أكبر منتجي النفط في العالم.

ومع اقتراب فصل الصيف، حيث قد تتجاوز درجات الحرارة في البصرة وذي قار وميسان الخمسين درجة مئوية، تتحول الكهرباء من خدمة عامة إلى ضرورة حيوية تمس حياة المرضى وكبار السن والأطفال. الاعتماد على نظام طاقة مركزي هش في مثل هذه الظروف لم يعد مجرد قصور في التخطيط، بل يمثل خطراً حقيقياً على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

الهشاشة في مواجهة الأزمات

ولفهم حجم الهشاشة في هذا الواقع، يكفي أن نتخيل ما يمكن أن يحدث في حال استمرار التوترات الإقليمية أو تصاعد الصراعات المسلحة في المنطقة خلال السنوات المقبلة. في مثل هذه السيناريوهات تصبح البنية التحتية للطاقة من أولى القطاعات التي تتعرض للضرر، إذ إن محطات التوليد الكبرى وخطوط النقل تمثل أهدافاً سهلة لأي اضطراب أمني.

وفي الوقت نفسه، قد تتراجع صادرات النفط أو تتعطل في حال امتدت التوترات إلى الممرات البحرية أو المنافذ البرية، ما سيؤثر مباشرة في الموازنة الحكومية ويحد من قدرة الدولة على تمويل مشاريع الكهرباء والبنية التحتية. كما أن اعتماد العراق على استيراد الغاز لتشغيل جزء مهم من قدرته الكهربائية يجعله عرضة للضغوط السياسية والاقتصادية.

في مثل هذا الواقع يصبح المواطن العراقي الحلقة الأضعف: صيف شديد الحرارة بلا كهرباء مستقرة، مولدات تعمل بوقود محدود، ومستشفيات تواجه صعوبة في تشغيل أجهزتها الحيوية.

هنا يطرح البعض حجة تبدو منطقية للوهلة الأولى، وهي أن أوقات الأزمات والحروب ليست مناسبة للتفكير في الطاقة النظيفة، وأن الأولوية يجب أن تكون لما هو متاح من مصادر الطاقة التقليدية. لكن ما حدث في مارس 2026 يوضح العكس تماماً.

فالأنظمة المركزية الكبيرة هي الأكثر عرضة للتعطل أو الاستهداف، إذ يكفي خلل في محطة رئيسية واحدة لتغرق مناطق واسعة في الظلام. في المقابل، تعمل الطاقة الشمسية الموزعة وفق مبدأ مختلف تماماً. فالألواح المثبتة على أسطح المنازل والمستشفيات والمدارس تعمل بشكل مستقل عن الشبكة، ولا يمكن تعطيلها بضربة واحدة أو بقرار سياسي خارجي.

تجربة غزة: درس من أصعب البيئات

وقد أظهرت بعض التجارب في المنطقة هذه الحقيقة بوضوح. ففي قطاع غزة، البالغة مساحته 365 كيلومتراً مربعاً فقط ويسكنه أكثر من مليوني نسمة، تحوّلت الطاقة الشمسية من ترف إلى ضرورة وجودية. لم تكن البداية استراتيجية حكومية، بل كانت استجابة شعبية لأزمة طاقة حادة؛ فبعد أن دمّر القصف الإسرائيلي محطة التوليد الوحيدة في نصيرات عام 2006، وجد المواطنون أنفسهم أمام انقطاع يصل إلى 16 ساعة يومياً، فلجأوا إلى الألواح الشمسية كحل فردي بديل.

وقفزت منظومات الطاقة الشمسية المنزلية من اثنتي عشرة منظومة فقط عام 2012 إلى أكثر من 8700 منظومة بحلول عام 2019، معظمها على أسطح المنازل والمحلات التجارية. وبحلول مطلع عشرينيات هذا القرن، كان ما لا يقل عن ثلث سكان القطاع وأكثر من نصف منشآته التجارية تعتمد على الطاقة الشمسية، بما فيها المستشفيات والمصانع والمخابز والمدارس. وقد وصل إجمالي الطاقة الشمسية المركّبة قبيل أكتوبر 2023 إلى نحو 55 ميغاواط من أصل 650 ميغاواط تحتاجها غزة يومياً. بل إن بعض التقديرات أشارت إلى أن غزة باتت تمتلك أعلى كثافة لأنظمة الطاقة الشمسية على الأسطح في العالم.

والأهم من الأرقام هو الدرس العملي: حين اندلعت المواجهات وانقطعت الكهرباء عن غزة بالكامل، ظل بنك الدم المركزي في غزة يعمل باستمرار بفضل ألواحه الشمسية المثبتة على السطح. هذا المثال يختصر الفكرة بأكملها: النظام الموزع لا يمكن إسقاطه بضربة واحدة.

إذا كانت منطقة صغيرة ومكتظة مثل غزة قد تمكنت من الاعتماد بشكل متزايد على الطاقة الشمسية لتجاوز جزء من أزمة الطاقة، فإن الإمكانيات المتاحة في العراق تبدو أكبر بكثير. فالعراق يتمتع بمعدل إشعاع شمسي مرتفع يتراوح بين 5 و7 كيلوواط ساعة لكل متر مربع يومياً في معظم مناطق البلاد، وهو من بين أعلى المعدلات عالمياً.

إمكانيات العراق الشمسية وعقبات التحول

كما أن المساحات الصحراوية الشاسعة في غرب وجنوب البلاد توفر مواقع مناسبة لإنشاء مشاريع طاقة شمسية كبيرة يمكن أن تنتج آلاف الميغاواط من الكهرباء.

ورغم هذه الإمكانيات، لا يزال حضور الطاقة الشمسية في العراق محدوداً مقارنة بما يمكن تحقيقه. ويعود ذلك إلى عدة عوامل، منها طبيعة الاقتصاد الريعي المعتمد على النفط، حيث شكلت عائدات النفط لعقود المصدر الرئيسي للإيرادات الحكومية، ما جعل الاستثمار في مصادر الطاقة البديلة أقل أولوية.

كما أن دعم الوقود التقليدي وانخفاض أسعار الكهرباء للمستهلكين قللا من الحوافز الاقتصادية التي قد تدفع الأفراد أو الشركات إلى الاستثمار في الأنظمة الشمسية. إضافة إلى ذلك، يواجه قطاع الطاقة تحديات مؤسسية وإدارية معقدة، من بينها البيروقراطية وضعف التخطيط طويل الأمد، فضلاً عن انتشار الفساد الذي أدى في كثير من الأحيان إلى تعطيل مشاريع أو إبطاء تنفيذها.

ومنذ عام 2003 أنفقت الحكومات العراقية عشرات المليارات من الدولارات على قطاع الكهرباء، لكن جزءاً كبيراً من هذه الأموال لم يترجم إلى تحسين مستدام في الخدمة.

في هذا السياق تزداد أهمية تنويع مصادر الطاقة في العراق. فالحروب والصراعات في المنطقة غالباً ما تؤثر في إمدادات الطاقة وسلاسل التوريد، كما أن الاعتماد على استيراد الوقود أو الغاز يجعل النظام الكهربائي أكثر عرضة للتقلبات السياسية والاقتصادية. الطاقة الشمسية توفر بديلاً محلياً متجدداً لا يعتمد على الاستيراد ولا يتأثر بشكل مباشر بتقلبات الأسواق العالمية.

الطاقة الموزعة: نموذج المستقبل

إحدى أهم مزايا الطاقة الشمسية هي إمكانية نشرها على نطاق واسع وبأشكال مختلفة. فإلى جانب المشاريع الكبيرة التي تنشئها الحكومات أو الشركات، يمكن للأنظمة الشمسية الصغيرة المثبتة على أسطح المنازل والمباني أن تسهم في تقليل الضغط على الشبكة الوطنية وتوفير جزء من احتياجات الكهرباء محلياً.

هذا النموذج، المعروف بالطاقة الموزعة، يزيد من مرونة النظام الكهربائي ويقلل من احتمالات الانقطاع الواسع للكهرباء، كما يفتح المجال أمام مشاركة الأفراد والشركات الصغيرة في إنتاج الطاقة.

إذا تمكن العراق خلال السنوات المقبلة من تطوير استراتيجية واضحة لتوسيع استخدام الطاقة الشمسية، فقد يشهد قطاع الكهرباء تحولاً تدريجياً لكنه عميق. فالمشاريع الشمسية الكبيرة يمكن أن تضيف آلاف الميغاواط إلى القدرة الإنتاجية الوطنية، بينما تسهم الأنظمة المنزلية والتجارية في تقليل الطلب على الشبكة وتوفير حلول عملية للمناطق التي تعاني من ضعف البنية التحتية.

كما يمكن لتطوير هذا القطاع أن يفتح الباب أمام صناعات جديدة مرتبطة بالطاقة الشمسية، مثل تجميع بعض مكونات الأنظمة محلياً، إضافة إلى خلق فرص عمل في مجالات التصميم والتركيب والصيانة.

خاتمة: السؤال الحقيقي

المستقبل الطاقوي للعراق لن يتحدد فقط بحجم احتياطياته النفطية، بل أيضاً بقدرته على التكيف مع التحولات العالمية في قطاع الطاقة. فالعالم يتجه تدريجياً نحو تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري وزيادة الاستثمار في مصادر الطاقة النظيفة.

وإذا استطاع العراق استغلال موارده الشمسية الهائلة وتجاوز العقبات الإدارية والاقتصادية التي تعيق هذا التحول، فقد تتحول الطاقة الشمسية من حل جزئي لأزمة الكهرباء إلى أحد الأعمدة الأساسية لنظام الطاقة في البلاد.

اليوم، ومع اقتراب صيف جديد، تستعد مدن الجنوب العراقي من البصرة إلى ذي قار وميسان لمواجهة درجات حرارة قد تتجاوز الخمسين مئوية بشبكة كهربائية أثبتت في الكثير من الاوقات أنها قابلة للانهيار في لحظة واحدة.

لذلك لم يعد السؤال ترفاً أكاديمياً.

السؤال الحقيقي هو: متى سيبدأ العراق في استغلال هذه الفرصة بالشكل الذي يتناسب مع إمكانياته واحتياجاته المستقبلية؟

المهندسة طيب مهند

مهندسة طاقة متجددة – تصميم منظومات الطاقة الشمسية

المصادر

1. وكالة الطاقة المتجددة الدولية (IRENA) — تقرير إمكانيات الطاقة الشمسية في الشرق الأوسط، 2022. https://www.irena.org/Publications/2022/Jan/Renewable-Power-Generation-Costs-in-2021

2. برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) — تقرير الطاقة الشمسية في غزة: التوسع الشعبي في ظل الأزمة، 2020. https://www.unep.org/resources/report/solar-energy-gaza

3. مركز أوكسفورد لدراسات الطاقة (OIES) — تقرير قطاع الكهرباء في العراق: التحديات والإصلاحات، 2023. https://www.oxfordenergy.org/publications/iraqs-electricity-sector

4. البنك الدولي — تقرير الطاقة الشمسية في قطاع غزة، إحصاءات 2019–2023. https://www.worldbank.org/en/country/westbankandgaza/publication/solar-energy

5. منظمة Enabel البلجيكية للتنمية — مشروع الطاقة الشمسية في غزة: من 12 منظومة إلى 8700 منظومة (2012–2019). https://www.enabel.be/content/solar-energy-palestine

6. وزارة الكهرباء العراقية — بيانات رسمية حول انقطاع التيار الكهربائي في مارس 2026، تصريح المسؤول إحسان جابر الساعدي.

7. المعهد الدولي لتحليل النظم التطبيقية (IIASA) — خرائط الإشعاع الشمسي للعراق ومنطقة الشرق الأوسط. https://www.iiasa.ac.at/web/home/research/solar-radiation-middle-east

8. تقرير مركز كارنيغي للشرق الأوسط — الطاقة الشمسية في غزة: أعلى كثافة على الأسطح عالمياً، 2022. https://carnegie-mec.org/2022/solar-gaza

9. منظمة Enerdata — تقرير توازن الطاقة العراقية 2024. https://www.enerdata.net/estore/energy-market/iraq