«والله لو ما أمريكا جان لا أنت ولا أبوك تجيبوني للمحكمة» 

لطالما يفتخر بقايا أزلام النظام السابق بهذه المقولة، ويعدّونها مظهراً من مظاهر الشجاعة والتحدي؛ غير أن القراءة الموضوعية والتحليل النفسي للحدث يكشفان عن صورة مغايرة تماماً.

فهناك تناقض صارخ بين هذا القول وبين مجمل الممارسات والسياسات الميدانية، مما يعكس حالة عميقة من الانفصال عن الواقع.

إن هذه العبارة تتضمن اعترافاً صريحاً بأن القوة الخارجية (الأمريكية) هي التي أطاحت بالنظام وغيرت المعادلة في البلاد، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن عجز تام عن إدراك أن سياسات النظام وتصرفاته الرعناء هي التي وفرت الذريعة والمبرر والمناخ الدولي لتلك القوة كي تتدخل وتصل إلى هذه النتيجة.

فالتحرش بالقوى الكبرى دون امتلاك أدنى مقومات القوة الذاتية أو الحماية القانونية والشعبية لم يكن سوى انتحار سياسي دفع العراق وشعبه ثمنه باهظاً.

لقد استمر الدكتاتور في إطلاق الخطابات الرنانة والتحديات الجوفاء دون أن يستند إلى أي قاعدة شعبية أو رسمية أو عسكرية صلبة.

وتظهر حادثة الصحف المرتجعة جوهر هذه العزلة؛ إذ كانت صحف النظام تُطبع وتُوزع ثم تُعاد بأعداد غفيرة دون أن يشتريها أحد.

ولحل هذه الظاهرة، استعان رمز النظام بالخبير الاردني الإعلامي والباحث "فؤاد حسين" ،الذي كان على صلة وثيقة بالإعلام العراقي آنذاك، ليدرس مع إعلاميين عراقيين أسباب عزوف المواطنين عن قراءة صحف السلطة بعد أن كانت متداولة.

ولو كان لدى الطاغية حد أدنى من الذكاء السياسي، لأدرك أن هذا العزوف كان بمثابة استفتاء شعبي غير معلن ونبذ كامل لشرعيته، وأن الشارع كشف حقيقته ولم يعد يصدق ماكنته الإعلامية.

إن اللجوء إلى خبير إعلامي لمعالجة هذه الظاهرة يعكس السلوك التقليدي للأنظمة الشمولية، حيث يُحاط الحاكم بآلة دعاية وبطانة تمنع عنه الحقائق وتصوّر له الخوف والخنوع على أنه ولاء ومحبة.

فالأزمة لم تكن تكمن في الإخراج الصحفي أو إعادة صياغة المانشيتات، بل كانت قطيعة نفسية وسياسية كاملة بين الشارع وسلطة قادته من كارثة إلى أخرى.

هذا الانفصال الذهني يفسر التناقض الصارخ الذي ظهر لاحقاً؛ فقد واصل إطلاق خطابات التحدي للقوى الكبرى بناءً على وهم امتلاكه جبهة داخلية متماسكة، بينما كان يقف في الواقع على أرضية مجوفة بلا ظهير شعبي. وعندما تدخلت القوة الخارجية وأزالت آلة القمع الأمني، تبخرت تلك "القاعدة" الوهمية، ليجد النظام نفسه أعزل أمام حقيقة افتقاره لأي حصانة وطنية.

إن إلقاء اللوم على "الأمريكان" داخل قاعة المحكمة لم يكن سوى استمرار لحالة الإنكار الذاتي؛ إذ عجز الدكتاتور عن استيعاب أن انهياره السريع لم يكن نتاج التفوق العسكري الخارجي فحسب، بل كان نتيجة طبيعية لنظام منبوذ ومفرغ من الداخل، فتحت سياساته الأبواب ومهدت الأرضية لكل ما آلت إليه الأحداث.

نتيجة:

العبارة المعروضة تعكس اعترافاً صريحاً بدور القوة الخارجية (الأمريكية) في الإطاحة به وتغيير المعادلة، لكنها في الوقت نفسه تكشف العجز عن إدراك أن سياسات النظام وتصرفاته هي التي أوجدت الذريعة والمبرر والمناخ الدولي لتلك القوة حتى تتدخل وتعيد العراق لزمن الاحتلال.