الشورجة ببغداد كانت القلب النابض للتسوق في العاصمة فهي تضم سوقا هو الأكبر من أسواق البيع بالمفرد أو حتى الجملة، ففضلا عن سيارات الحمل التي تأتي محملة بالبضائع من شتى منافذ العراق التجارية، كانت أسواق البيع بالمفرد فيها تكتظ بالمتبضعين الأفراد الذين يجدون صعوبة في السير بين فروع السوق الضيقة التي تحتوي محالها، أما الآن فان السوق في معظم الأحيان شبه خاو وأصوات الباعة لم تعد تصدح عاليا لاستقبال الزبائن.

وعند الاستفسار من بعض أصحاب المحال في السوق، قالوا إنه ليس هناك اقبال على التبضع مثل السابق، يشمل ذلك حتى سوق "العربي" المجاور الذي أصبح شبه منسي بحسب قولهم. فهل ان الانحسار، بسبب الوضع المعيشي المتقلب للناس وانخفاض دخلهم، ام هو تأثير عمليات الشراء من منافذ أخرى من بينها مواقع التوصيل عبر الانترنت، ام انه الطقس البغدادي القاسي الذي تصل فيه الحرارة نهارا إلى نحو 49 أو 50 درجة مئوية صيفا، ام ثمت أسباب أخرى لا نعرفها...؟ 

إن ما تشهده هذه الأسواق التاريخية هو نتيجة تضافر عدة عوامل متداخلة، من ذلك تغير أنماط التجارة وصعود "المولات" والأسواق الموازية، اذ لم تعد الشورجة هي المصدر الوحيد أو الأرخص بالضرورة. انتشرت في مناطق بغداد مراكز تجارية ومحال متخصصة توفر بضائع مستوردة مباشرة وبأسعار تنافسية، مما وفر على السكان عناء الوصول إلى مركز المدينة المزدحم، وأصبح بإمكان التاجر الصغير عرض بضائعه من المخزن مباشرة إلى باب منزل الزبون مع خدمة التوصيل، هذا خفف بشكل كبير من الحاجة للذهاب إلى مراكز الجملة التقليدية.

بغداد اليوم تواجه درجات حرارة متطرفة تجعل من تجربة التسوق في أسواق مفتوحة ومكتظة مثل الشورجة تجربة غير محتملة نهارا، كما ان ضيق الشوارع، وصعوبات الوصول بالسيارة، وغياب مواقف المركبات المنظمة، تجعل الشورجة مكانا طاردا للراحة والسهولة التي يبحث عنها المتبضع المعاصر، وان تضخم بغداد وتوسعها سكانيا وجغرافيا جعل من الشورجة مركزا بعيدا عن كثير من الأحياء الجديدة، مما يرفع تكلفة الوقت والجهد للوصول إليها.

وبرغم استقرار الوضع الأمني، إلا أن هناك انكماشا في القوة الشرائية للطبقة الوسطى. الشورجة كانت تعتمد في جزء كبير منها على التبضع الكثيف بشراء كميات كبيرة، فيما أصبح المواطن اليوم يتجه نحو الاستهلاك الحذر أو شراء الاحتياجات الأساسية فقط من أقرب نقطة بيع، متخليا عن رحلات التسوق الطويلة التي كانت تميز الشورجة.

ظلت الشورجة أسيرة لآليات عمل قديمة بنظام "الحمالين" وعربات الدفع الخشبية، في ظل الازدحام الشديد، وغياب التنظيم الرقمي للمحال، في حين ان العالم انتقل إلى "الرقمنة" في إدارة المخازن والبيع، فبقيت الأسواق التاريخية تعاني من غياب رؤية للتطوير العمراني أو السياحي. حتى "سوق العربي" المجاور فقد بريقه التراثي لصالح مراكز تجارية توفر خدمات ترفيهية (تكييف، إضاءة، تنظيم) لا تتوفر في تلك الأزقة.

كانت هناك إمكانية لتطوير الشورجة، وانبثقت نية لإحداث تغييرات تحدثت عنها أمانة بغداد منذ سنين لاسيما في سنة 2024، من بينها تحويل السوق وبخاصة البيع بالجملة إلى أطراف بغداد ومنها منطقة "بوب الشام" شمال بغداد ومناطق أخرى مقترحة في أبي غريب وجرف النداف وعويريج ، إلا أن المشروع تلكأ ولم ينفذ بسبب اعتراض التجار و أصحاب المحال و "البسطات" من جهة، وانعدام الحسم والبت في الامر وتنفيذه من قبل أمانة بغداد، فظل وضع الشورجة على حاله من الفوضى حتى وقعت الفأس في الرأس كما يقال وفقد سوق الشورجة بريقه وزبائنه، نتيجة عدم تطويره لينافس الأسواق الأخرى التي توفر الراحة لمرتاديها.

ان حالة التلكؤ المؤسساتي التي أصابت أمانة بغداد في ملف الشورجة، و اعتراض البعض على النقل إلى أطراف المدينة (مثل بوب الشام) ليست مجرد رفض للتغيير، لكن ذلك يعكس جوهر الأزمة التي تعيشها العاصمة في التخطيط الحضري، الاصطدام بين المصالح الاقتصادية الآنية وبين الرؤية الاستراتيجية، فأصحاب المحال عبروا عن مخاوفهم من فقدان رأس المال الرمزي والمكاني، فالشورجة ليست مجرد مساحة جغرافية، بل هي علامة تجارية تراكمت عبر العقود، وأي انتقال يعني مخاطرة بخسارة الزبون التقليدي الذي لا زال يربط ذهنيته بالمركز؛ وان فشل الأمانة يكمن هنا في عدم تقديم حزمة تحفيز مقنعة للتجار، أو توفير بديل يضمن استدامة تدفق الزبائن في الموقع الجديد.

السوق الآن يدفع ضريبة الجمود، فالأسواق التي رفضت التغيير ومنها الشورجة وجدت نفسها اليوم في مواجهة منافسين أكثر مرونة تمثلوا في التطبيقات الرقمية، المولات الحديثة. السوق لم يعد ينافس الأسعار فحسب، بل ينافس تجربة التسوق ذاتها، فالمواطن اليوم يفضل دفع مبلغ إضافي مقابل التكييف، ومواقف السيارات، والنظام، بدلا من الدخول في صخب الشورجة وفوضاها.

ربما يكون من الصعب إجبار تجار الجملة على الانتقال الآن، لكن الحل الذي كان يطرح في أساس التخطيط العمراني لبغداد الذي يظهر أن الأمانة أغفلته، هو التحويل التدرجي، اي تحويل قلب الشورجة إلى منطقة ذات طابع سياحي وتراثي ربما تكون مقصورة على المشاة ونقل أنشطة الجملة الثقيلة تدريجيا عبر توفير مجمعات لوجستية ومخازن حديثة في أطراف المدينة، مع الإبقاء على مكاتب عرض فقط في المركز.

إن تراكم المشكلات في الشورجة هو انموذج مصغر لما تعانيه بغداد؛ اذ تجمد المشاريع بسبب الممانعة الاجتماعية أو ضعف الإرادة السياسية، لتكون النتيجة في النهاية هي التدهور الذاتي للسوق وفقدانه لقيمته التنافسية، و إذا بقي هذا الاهمال فأعتقد ويعتقد مثلي كثيرون انها ربما تتلاشى وربما يستغل البعض الموضوع لتحويلها إلى مشاريع استثمار لأمور أخرى ليس شرطا أن تتعلق بعمليات البيع والشراء، ومن ذلك مشاريع العقارات فيفقد بذلك مركز العاصمة جزءا حيويا من خصوصيته.

هذا التوقع يضع الإصبع على احتمال واقعي ومقلق في آن واحد، وهو تحول الشورجة من قلب تجاري حيوي إلى فرصة عقارية ومشاريع استثمارية بعيدة عن طبيعتها التجارية وهو سيناريو مألوف في مدن عالمية كبرى شهدت تراجع مراكزها التاريخية، فإذا استمر الركود، سيبدأ صغار التجار وأصحاب المحال المتعثرين ببيع عقاراتهم أو تأجيرها لجهات تمتلك رؤوس أموال ضخمة. هنا، قد لا نرى أسواقا بالمعنى التقليدي، بل ربما تتحول المساحات إلى مستودعات مغلقة، أو مراكز لوجستية لشركات الشحن والتوصيل، أو حتى مشاريع عقارية (فنادق أو مكاتب) إذا ما أُهمل الجانب التجاري تماما.