يجري في منطقة شارع المتنبي تحول هو بمنزلة قبلة الحياة لوسط بغداد، اذ يتحول من منطقة تجارية مزدحمة نهارا ومهجورة ليلا، إلى مركز إشعاع انساني واقتصادي يعمل على مدار الساعة. نحن أمام حالة من التحول الهيكلي في وظيفة المكان الثقافي، وهي ظاهرة لا تقتصر على بغداد وحدها، لكن خصوصية شارع المتنبي تعطيها أبعادا أكثر عمقا.
تاريخيا، كان المتنبي يمثل مختبرا للأفكار، اذ تذهب النخبة والطلاب للبحث عن المعرفة، أما اليوم، فقد تحول إلى فضاء للاستعراض الثقافي، هذا ليس بالضرورة تراجعا سلبيا مطلقا، بل هو توسيع لقاعدة مرتادي الشارع؛ فدخول العائلات والشباب الذين لا يقرؤون بالضرورة، جعل من الثقافة نمط حياة متاحا للجميع وليس حكرا على النخبة الأكاديمية، وطبعا، لا يمكن أغفال أثر "الرقمنة"، فكثير من الشباب يزورون المتنبي لاقتناء "اللحظة" مثل الصورة أو الفيديو لغرض النشر وليس لاقتناء المخطوط، وأصبحت العمارة المعاد تأهيلها والإضاءة الليلية خلفية مثالية لتعزيز الهوية البصرية الرقمية، مما جعل الشارع وجهة سياحية ترفيهية بامتياز.
النقطة الإيجابية الجوهرية هي استعادة الفضاء العام بعد عقود من الانكماش المنزلي بسبب الظروف الأمنية، وغدا نشاط المتنبي يمثل ليلا نوعا من المقاومة السلمية بالترفيه، وان عودة الناس للشوارع ليلا هي أكبر مؤشر على الاستقرار الاجتماعي والامان النفسي، وانتعاش المقاهي والمطاعم يوفر فرص عمل ويحرك عجلة الاقتصاد في مركز المدينة القديم.
وبرغم أن المظاهر تشير إلى أن التنزه غلب على "التصفح"، إلا أن هناك تحولا في نوعية القراءة لا كميتها، فيجري التحول نحو القراءة الإلكترونية (E-books) بوساطة ملفات بي دي اف وغيرها، قلل ذلك من حاجة البعض لحمل الأكياس الورقية الثقيلة من الشارع، كما ان بروز جيل جديد يميل للروايات وكتب التنمية البشرية بدلا من الكتب الفلسفية والسياسية التي كانت تهيمن سابقا.
ان ما يمر به شارع المتنبي هو عملية تحديث لوظيفة المكان، وقد يحزن "الوراقون" والجيل القديم على ضياع السكينة والجدية التي كانت تغلف الشارع، لكن في المقابل، كسبت بغداد رئة تتنفس عن طريقها الجمال والحياة بعد سنوات طويلة من الركود، الشارع لم يعد "مكتبة" فقط، بل أصبح هوية وطنية تجمع بين التراث والحداثة.
وهنا، فان تحويل بعض البيوت التراثية في الشارع إلى مراكز بحثية أو مكتبات تخصصية مغلقة يمكن أن يحافظ على "قدسية الكتاب" وسط هذا الصخب السياحي، يعكس رؤية واقعية تجمع بين الحفاظ على الجوهر الثقافي والاستجابة للمتغيرات المعاصرة. إن تحويل البيوت التراثية إلى مراكز تخصصية مثل بيت المدى أو المركز الثقافي البغدادي وغيرهما، يخلق جيوبا معرفية وسط الزحام الترفيهي، مما يضمن بقاء الشارع مقصدا للباحثين والقراء الجادين؛ وبدلا من أن يكون ارتياد الشارع مجرد نزهة عابرة، فإن تواجد معارض فنية دائمة، ومكتبات تخصصية، ومتاحف مصغرة في داخل الأبنية التراثية مثل بيت القشلة والمباني المجاورة، ونشاطات للصغار واليافعين في الرسم والخط يحول السائح المحلي إلى متلق للثقافة والفن. هذا الأسلوب يربط الجمهور بتاريخ المكان بطريقة تفاعلية لا تعتمد على الشراء الورقي فقط، بل على التجربة البصرية والمعرفية.
ان إحياء هذه المباني بأسلوب وظيفي يضمن صيانتها الدائمة، والجمهور الذي يرتاد المقاهي سيجذبه الفضول لدخول مبنى تراثي مرمم، وهناك قد يجد نفسه أمام "أمهات الكتب" أو إصدارات حديثة (او لوحات تشكيلية) في بيئة هادئة تعزز قيمة الكتاب كتحفة فنية وتاريخية، وليس مجرد سلعة للاستهلاك، كما يتواصل اجتماعيا وانسانيا مع الناس.
التواصل الجماهيري في هذه الأماكن يكسر الحاجز بين جيل الرواد المتمسك بالكتاب الورقي وجيل الشباب المأخوذ بالصورة، كما ان الأنشطة المنظمة في داخل هذه الأبنية مثل الندوات السريعة، وتواقيع الكتب، أو الأمسيات الموسيقية التراثية تخلق لغة مشتركة في فضاء جغرافي واحد.
في السابق كان الجانب الوظيفي في المتنبي يمتاز أساسا ببيع وشراء الكتب الورقية اما الآن فيمثل تجربة ثقافية اجتماعية متكاملة، الجانب الوظيفي سابقا في وقت الذروة صباح الجمعة فقط، اما الآن فطوال الأسبوع مع التركيز على النشاط الليلي، في السابق الفئة المستهدفة هم النخبة، الطلاب، والباحثون، الآن العائلات بمن فيهم الأطفال والفتيات ، السياح، والشباب الرقمي ، في السابق المباني التراثية كانت تستعمل مخازن للكتب أو مهملة وبعضها آيل للسقوط، الآن اماكنها مراكز إشعاع ثقافي، ومتاحف، ومقاه أدبية.
ومع ذلك فان هذا الإحياء الذكي للمنطقة المحيطة يتوجب ان يقترن بتحديثات اخرى، بما في ذلك سوق السراي والقشلة وصولا إلى ضفاف دجلة، فسيعيد هذا لبغداد مركزها الحيوي ليست كمجرد سوق، بل كمنصة حضارية شاملة تجمع بين التاريخ، والمعرفة، ومتعة الحياة اليومية، بما فيها تنشيط النقل النهري والسياحة النهرية، وتوسيع التجربة لتشمل مناطق شارع الرشيد والميدان، وباب المعظم التي يمكن أن تنجح بالزخم نفسه.
إن إلغاء الصفة العسكرية عن منطقة الميدان أي موقع وزارة الدفاع "القديم" والقشلة وامتداداتها وتحويلها إلى فضاء مدني خالص، اذ نفذ، يمثل استجابة لضرورة تاريخية وجغرافية، وذلك لعدة أسباب جوهرية، فهذه الفكرة (كان تنفيذها متواجدا في الخطط الحكومية) تمثل الحلم الضائع للتخطيط الحضري في بغداد، وهي بالفعل مشروع لو قدر له النجاح لغير وجه العاصمة الثقافي والسياحي بشكل جذري.
ان منطقة الميدان والمباني العسكرية المحيطة بها تحجب رئة بغداد (نهر دجلة) عن أهم مراكزها الثقافية، وان ربط شارع المتنبي وسوق السراي ببيت الحكمة وصولا إلى ضفاف النهر عبر متاحف ومتنزهات سيخلق كورنيشا ثقافيا يضاهي أرقى المناطق التاريخية في المدن العالمية مثل ضفاف السين في باريس أو منطقة المتاحف في لندن، فهذه المنطقة تضم قلب بغداد الإداري والتاريخي القديم، بيت الحكمة، يمثل الإرث الفلسفي والعلمي، والقشلة وسوق السراي يمثلان العمق الإداري والتجاري، والميدان يمثل العمق العسكري والسياسي السابق وبالإمكان بناء متحف او مركز ثقافي بهذا الشأن بدلا من مقر وزارة الدفاع، و ربط هذه الأجزاء ببعضها يعيد صياغة ذاكرة المكان لتكون ذاكرة معرفية وجمالية بدلا من كونها مراكز سلطة منغلقة بأسوار أمنية.
ان تحويل موقع عسكري بامتياز (وزارة الدفاع) إلى متنزه عام ومراكز ثقافية يحمل رسالة رمزية قوية عن مدنية الدولة وانتقال المجتمع من حقبة الصراعات إلى حقبة البناء والإنسان، إنها اذ نفذت فهي عملية تكرار ناجحة لما حدث في القشلة، لكن على نطاق أوسع بكثير، وبرغم عبقرية الفكرة، إلا أن هناك تحديات حالت دون تنفيذها، لعل أبرزها البيروقراطية والجمود المؤسساتي والتحديات الأمنية، التي هيمنت على أولويتين أو ثلاث منذ عام 2003، مما جعل التوسع في الفضاءات المفتوحة في مراكز القرار أمرا مستبعدا في مدد معينة، وكذلك غياب الإدارة الموحدة للمدن و تشتت المسؤولية بين أمانة بغداد، وزارة الثقافة، ووزارة الدفاع، ووزارة الموارد المائية.
إن إعادة طرح مثل هذه الأفكار اليوم، مع حالة الاستقرار النسبي وتحسن النشاط الليلي في شارع المتنبي، قد يجد آذانا صاغية أكثر من ذي قبل، فالمتنبي بصورته الحالية بدأ يضيق برواده، والتوسع باتجاه الميدان والنهر هو الحل الوحيد لاستيعاب هذا الزخم البشري المتصاعد، بخاصة مع توجه الدولة نحو مشاريع فك الاختناقات والإعمار.