في غرف العمليات المغلقة التابعة لأجهزة الاستخبارات حول العالم، لم يعد النقاش يدور فقط حول الرؤوس النووية أو الصواريخ الفرط صوتية أو حتى الهجمات السيبرانية المعقدة. ثمة مفهوم جديد بدأ يتسلل إلى قاموس التخطيط الاستراتيجي المعاصر، هو ما بات يُعرف بـ«التقارب الحيوي»؛ ذلك المجال الذي تندمج فيه البيولوجيا مع الذكاء الاصطناعي والتقنيات العصبية لتشكّل منظومة جديدة من الأدوات التي تعيد تعريف مفهوم القوة والتجسس والحرب.
في هذا العالم المتشكل بهدوء داخل المختبرات ومراكز الأبحاث، لم يعد السؤال المطروح: كيف نصنع آلة أكثر ذكاءً؟ بل أصبح السؤال الأكثر إثارة للقلق: كيف يمكن تحويل الكائن الحي نفسه إلى آلة؟
لم تعد هذه الفكرة مجرد مادة لسيناريوهات الخيال العلمي، بل أصبحت مشروعاً تقنياً حقيقياً يتقدم بخطوات ثابتة. ففي فبراير 2026 كشفت شركة التكنولوجيا العصبية الروسية «نيري غروب» عن مشروع يحمل اسم PJN-1، وهو برنامج يهدف إلى تحويل طيور الحمام إلى ما يمكن وصفه بطائرات سايبورغ بيولوجية يمكن التحكم بها عن بعد عبر رقائق وأقطاب عصبية مزروعة داخل الدماغ. المشروع يُقدَّم رسمياً بوصفه أداة مدنية للمراقبة البيئية ومتابعة البنى التحتية، غير أن القراءة الأعمق لهذا التطور تكشف إمكانات تتجاوز بكثير الاستخدامات المدنية المعلنة، وتفتح الباب أمام جيل جديد من أدوات التجسس والحرب غير التقليدية.
فكرة استخدام الحمام في العمليات الاستخباراتية ليست جديدة في الواقع، فقد لجأت الجيوش البريطانية والأمريكية خلال الحرب العالمية الثانية إلى تدريب الحمام الزاجل على حمل كاميرات صغيرة لالتقاط صور جوية خلف خطوط العدو. آنذاك كان الحمام وسيلة بدائية لكنها فعالة للاستطلاع، مستفيداً من قدرته الطبيعية على الطيران لمسافات طويلة دون إثارة الانتباه. غير أن ما يحدث اليوم يمثل نقلة نوعية؛ فالحمام لم يعد مجرد حامل للكاميرا أو رسول بين نقطتين، بل أصبح منصة طيران بيولوجية يتم التحكم بعقلها مباشرة.
وقد سبقت الصين إلى بعض جوانب هذا المسار عندما طورت جامعة شمال غرب الصين للطيران عام 2018 طائرات مسيّرة تحاكي حركة الحمام بدقة كبيرة، حيث تتحرك أجنحتها بطريقة تشبه الطيور الحقيقية بنسبة تقارب تسعين في المئة. هذه الطائرات استخدمت لاحقاً من قبل الجيش الصيني وعدد من المؤسسات الحكومية لأغراض مراقبة محددة، وبعد سنوات قليلة، في عام 2025، كشفت أبحاث صينية أخرى عن تحويل النحل إلى كائنات سايبورغ عبر متحكمات دماغية دقيقة، الأمر الذي عزز المخاوف لدى الخبراء من نشوء سباق تسلح جديد يجمع بين البيولوجيا والروبوتات الدقيقة.
في قلب هذا السباق يأتي مشروع PJN-1 الروسي الذي يقوم على فكرة بسيطة من حيث المبدأ لكنها شديدة التعقيد في التطبيق، فبدلاً من التحكم بجناحي الطائر ميكانيكياً، يتم التحكم بإشارات الدماغ المسؤولة عن الإحساس بالاتجاه. ولهذا الغرض تُزرع أقطاب كهربائية دقيقة داخل جمجمة الحمامة في المناطق العصبية المرتبطة بالتوجيه والحركة، وهذه الأقطاب متصلة بوحدة تحفيز عصبي صغيرة مثبتة على رأس الطائر، وعندما يرسل المشغّل نبضة كهربائية محددة تستجيب الدوائر العصبية في دماغ الحمامة فتغير اتجاه الطيران تلقائياً يميناً أو يساراً، وبذلك يصبح الطائر في الجو كأنه يتبع غرائزه الطبيعية، بينما في الواقع يتحرك وفق إشارات عصبية مبرمجة.
ويحمل الطائر أيضاً حقيبة خفيفة الوزن تعمل بالطاقة الشمسية مثبتة على ظهره، تحتوي على متحكم طيران ومصدر طاقة يمكن أن يعمل حتى ثماني ساعات، إضافة إلى كاميرا صغيرة مثبتة على صدر الطائر تبث فيديو مباشراً إلى مركز التحكم، هذه المنظومة تمنح الحمامة القدرة على قطع مسافات قد تصل إلى نحو أربعمئة وثمانين كيلومتراً يومياً، والدخول إلى مساحات ضيقة أو حضرية لا تستطيع الطائرات المسيّرة التقليدية الوصول إليها بسهولة، وتكشف خطط الشركة عن طموحات أكبر في المستقبل، إذ يجري التفكير في توسيع التجارب لتشمل أنواعاً أخرى من الطيور مثل الغربان القادرة على حمل أوزان أكبر، والنوارس التي يمكن أن تستخدم في مراقبة السواحل، وحتى الطيور البحرية الكبيرة لتغطية المساحات البحرية الواسعة.
بحلول فبراير 2026 كانت التجارب الميدانية للمشروع قد وصلت إلى مراحل متقدمة في موسكو، مع إبداء اهتمام من جهات مختلفة في روسيا وخارجها باستخدام التقنية في مراقبة خطوط الكهرباء أو البنى التحتية، غير أن شبكة التمويل التي تقف خلف المشروع تشير إلى ارتباطه غير المباشر بالبيئة الاستراتيجية الروسية، فقد حصل البرنامج على تمويل يقارب مليار روبل روسي، وهو ما يعادل نحو 13,400,000 دولار أمريكي ، جزء منه يأتي في إطار «المبادرة الوطنية للتكنولوجيا» التي أطلقها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عام 2014 لتعزيز التفوق التقني الروسي في المجالات المستقبلية ، كما تشير تقارير إلى مشاركة صناديق استثمار سيادية وشبكات بحثية مرتبطة بمعهد الذكاء الاصطناعي في جامعة موسكو، وعلى الرغم من ذلك يؤكد المدير التنفيذي للشركة ألكسندر بانوف أن المشروع ذو طبيعة مدنية بحتة ولا يرتبط بأي برنامج عسكري رسمي، وهو تصريح يراه كثير من المحللين جزءاً من الخطاب المعتاد في المشاريع ذات الاستخدام المزدوج.
من منظور آخر، تمثل هذه التكنولوجيا مزيجاً فريداً بين الطبيعي والاصطناعي، وهو ما يمنحها تفوقاً تكتيكياً واضحاً على كثير من الوسائل التقليدية، فأنظمة الدفاع الجوي الحديثة تعتمد على رصد البصمات الحرارية أو الرادارية للأهداف، بينما تُعامل الطيور عادة باعتبارها جزءاً من الضجيج البيئي الطبيعي الذي يتم تجاهله تلقائياً، وهنا تكمن المفارقة الاستراتيجية؛ فالحمامة السايبورغ لا تحمل هيكلاً معدنياً كبيراً، ولا تصدر ضجيجاً ميكانيكياً، ولا تمتلك بصمة رادارية واضحة، وإذا سقطت في مكان ما، يمكن تفسير الأمر بسهولة على أنه نفوق طبيعي لطائر بري، وهو ما يوفر للمشغّل مستوى عالياً من الإنكار العملياتي.
لهذا السبب حذّر عدد من الخبراء في مجال الأمن البيولوجي، ومنهم مستشار البنتاغون جيمس جيوردانو، من أن مثل هذه التقنيات قد تستخدم في المستقبل لنقل مواد بيولوجية خطرة أو نشر مسببات أمراض داخل أراضي الخصوم، أو حتى لتنفيذ عمليات تخريب دقيقة يصعب تتبع مصدرها.
ويكتسب هذا النقاش بعداً إضافياً في ظل الصراعات الجيوسياسية الراهنة، ففي الحرب الدائرة في أوكرانيا ظهرت بالفعل مؤشرات على عودة استخدام الحيوانات في بعض الأدوار العسكرية غير التقليدية، مثل توظيف الدلافين المدربة لحماية القواعد البحرية، ومع تصاعد التوترات في مناطق مثل البحر الأسود والشرق الأوسط، يمكن تخيل سيناريوهات تستخدم فيها الطيور السايبورغ لمراقبة المنشآت النفطية أو التسلل إلى مناطق حدودية حساسة أو جمع معلومات عن البنى التحتية الحيوية، وفي مناطق تشهد حركة كثيفة للطيور المهاجرة، يصبح التمييز بين الطائر الطبيعي والطائر المبرمج مهمة معقدة للغاية.
هذا الواقع الجديد يعكس انتقال العالم تدريجياً من مفهوم الحرب السيبرانية إلى ما يصفه بعض الباحثين بـ«حرب العتاد الحيوي» أو Wetware Warfare، حيث لم يعد الهدف اختراق الحواسيب أو الشبكات فقط، بل اختراق الكائنات الحية نفسها وتحويلها إلى منصات عمليات. فالدول الكبرى لم تعد تتنافس فقط في تطوير الذكاء الاصطناعي أو الطائرات المسيّرة، بل أيضاً في قدرتها على دمج التكنولوجيا بالأنظمة البيولوجية بطريقة تجعل الحياة نفسها جزءاً من البنية العسكرية المستقبلية.
ومع اتساع هذا المجال، بدأ خبراء الأمن يفكرون في وسائل دفاعية جديدة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل أنماط طيران الطيور وتمييز السلوك الطبيعي من السلوك المبرمج، إضافة إلى تطوير أنظمة استشعار حرارية دقيقة لرصد الأنماط غير المعتادة للحركة، غير أن هذه الحلول لا تزال في بداياتها، بينما تتقدم تقنيات التقارب الحيوي بسرعة كبيرة.
لقد اعتاد الإنسان عبر التاريخ استخدام الطبيعة لخدمة أغراضه، من الخيول في الحروب القديمة إلى الكلاب في العمليات الأمنية الحديثة، لكن ما يحدث اليوم يتجاوز مجرد استخدام الكائن الحي، ليصل إلى مرحلة إعادة برمجته وتوجيهه كجزء من منظومة تكنولوجية معقدة. وفي عالم تتداخل فيه البيولوجيا مع الذكاء الاصطناعي، قد يصبح الخط الفاصل بين الطبيعي والاصطناعي أكثر ضبابية من أي وقت مضى.
الرسالة الموجهة للعالم اليوم واضحة: احذروا من الطبيعة، فقد تم برمجتها.