لم تكن الموسيقى في العراق يوما مجرد ترف عابر أو ضجيج يملأ به الفراغ، بل كانت العمود الفقري للهوية والوعاء الذي انصهرت فيه أحزان العراقيين وأفراحهم. من عمق المقام العراقي بهندسته الروحية الرصينة، إلى عفوية الغناء الريفي الذي تفوح منه رائحة الطين والأرض، كان النغم العراقي يمثل صمام أمان للسلم المجتمعي ومظهرا من مظاهر الرقي الإنساني، اذ كانت الكلمة الهادفة تصاغ بعناية لتهذب الوجدان وتبني الذائقة.
لكن، وبالنظر إلى المشهد اليوم، نجد أن هذا الإرث قد اصطدم بموجة عاتية من التجارة، اذ تحول الفن من رسالة سامية إلى سلعة استهلاكية سريعة الزوال، وانحسر دور الغناء كقوة ناعمة تربط المجتمع ببعضه؛ وبرغم تواجد محاولات نبيلة، كتحركات الفرقة الوطنية للتراث الموسيقي العراقي، إلا أنها تظل محاولات خجولة، تقف وحيدة في مواجهة طوفان من التسطيح، مما يضعنا أمام تساؤل مصيري: كيف نعيد للموسيقى العراقية دورها المفقود كمرآة للحياة والجمال؟
كانت الموسيقى والغناء في العراق جزءا من حياة الشعب، وارتبطت بالذاكرة التاريخية للعراقيين، فتفوق غناء المقام والغناء الريفي وحتى البدوي، في المنطقة في مراحل سابقة، وأبدع العراقيون في تطوير الغناء وتنمية السلالم الموسيقية واكتشاف مقامات جديدة في الألحان، ولكن في المدة الأخيرة حدث انحسار كبير في مجال الموسيقى والغناء العراقي، ولم نعد نحظى باكتشافات جديدة فيهما ولم يحدث تطور في الفن الغنائي والموسيقي العراقية بخاصة في العقدين الماضيين، فالعراق الذي صدر "المقام" للعالم ورفد المكتبة الموسيقية العربية بأعقد الألحان، يواجه اليوم تحديات بنيوية أعاقت استمرارية هذا التدفق الإبداعي.
تداخلت عوامل عدة أدت إلى تراجع القيمة الفنية في العقدين الأخيرين في اقل تقدير، مقابل الكم الاستهلاكي، من ذلك تراجع المؤسسات الأكاديمية والتربوية بغياب المناهج الموسيقية في المدارس الابتدائية أدى إلى انقطاع الذائقة لدى الأجيال الجديدة، كما أن المؤسسات المتخصصة (كمعهد الدراسات الموسيقية) واجهت نقصا في الدعم والبعثات الخارجية.
وتحول الفن من "قيمة ثقافية" إلى "محتوى رقمي" يبحث عن (التفاعل والترند). هذا أدى إلى بروز ألحان بسيطة وسطحية تعتمد على الإيقاع الصاخب وتهمش السلم الموسيقي والمقام.
ومع انهيار الأطر الإنتاجية التقليدية، أصبح الفنان هو المنتج والممول، مما دفعه لتبني خيارات تجارية تضمن له الاستمرار المالي على حساب الابتكار الفني، و ان هجرة كبار الأساتذة والعازفين والملحنين إلى الخارج أدت إلى فجوة بين جيل الرواد والشباب، مما أفقد الساحة المحلية المرجعية الفنية التي تراقب وتطور.
كما ان انشغال المجتمع بالأزمات الاقتصادية والسياسية غير من أولويات الاهتمام الثقافي، وجعل الفن أداة تفريغ آني بدلا من كونه مشروعا للتطوير الحضاري.
لذا يتوجب إعادة إحياء النشاط المدرسي بجعل الموسيقى حصة أساسية لاكتشاف المواهب في سن مبكرة، و تأسيس "بيت المقام العراقي الحديث"، لا يكتفي بالحفاظ على التراث، بل يعمل على تطوير المقامات ودمجها بآلات وتوزيعات عالمية من دون المساس بجوهرها.
يتوجب رعاية الدولة للمهرجانات النوعية بإقامة مهرجانات متخصصة للموسيقى الآلات الحديثة والغناء الرصين، بعيدا عن صخب المهرجانات التجارية، ولضمان حقوق الملحنين والكتاب، مما يشجعهم على تقديم أعمال ذات جودة عالية بدلا من الأعمال السريعة.
يجب تشجيع التجارب التي تدمج الآلات الغربية (مثل البيانو وغيرها) مع المقامات العراقية بأسلوب "الأوركسترا"، لخلق هوية موسيقية عراقية عالمية، واستقدام خبراء في "علم الأصوات" و"التوزيع الموسيقي" لإقامة دورات مكثفة للشباب الموهوبين لسد الفجوة المعرفية.
بنا حاجة إلى برامج ومقالات تحليلية تشخص الخلل وتوجه الجمهور نحو الجمال، فغياب الناقد اسهم في طغيان الرداءة على الجودة. إن العودة للريادة الموسيقية تتطلب التعامل مع الموسيقى كـ "قطاع حيوي" يعكس وجه العراق الحضاري، وليس مجرد وسيلة للترفيه.
إن التحولات الاجتماعية في بغداد والمدن العراقية الكبرى في العقدين الأخيرين لم تكن مجرد تغييرات في نمط الحياة، بل كانت زلزالا ضرب بنية الذائقة الفنية، وأعاد تشكيل محركات الإبداع الموسيقي؛ وبدلا من "الحب العذري" والرومانسية الانسانية الذي ميز أغاني السبعينات وما قبلها، نجد اليوم نصوصا تتحدث عن "الخيانة"، "المصلحة"، و"القوة"، وهي ثيمات تعكس واقعا اجتماعيا جديدا ضاغطا وتحديات اقتصادية أثرت على العلاقات الإنسانية.
أدى دخول التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي في هندسة الصوت إلى غياب "الملحن" لصالح "الموزع"، في السابق كان الملحن يبني (مقامات) وسلالم موسيقية معقدة، اليوم، يعتمد الإنتاج على "برمجيات" جاهزة، مما جعل الألحان تتشابه إلى حد كبير، وغابت البصمة الفردية للمبدع العراقي، وأصبح المقياس هو عدد المشاهدات، وهذا دفع الفنانين (حتى الموهوبين منهم) إلى مسايرة الذوق العام السائد بدلا من محاولة الارتقاء به.
كان المصدر اللحني للفنانين في السابق هو المقامات العراقية والسلالم الشرقية اما الحالي فيتمثل في الإيقاعات الإلكترونية، وكانت الكلمات في السابق تصاغ بصور شعرية عميقة ووجدانية او رمزية عندما تتناول احداثا سياسية، الكلمات في الغناء الحالي تصاغ بلغة مباشرة، يومية، واستهلاكية.
في السنوات الأخيرة برزت تجربة المايسترو علاء مجيد والفرقة الوطنية للتراث الموسيقي العراقي التي كان اداؤها بمنزلة طوق نجاة حقيقي، ونجاحها الشعبي الواسع يثبت أن ذائقة العراقيين ما تزال تميل نحو الجودة والأصالة متى ما وجدت القالب المناسب.
ولكن هناك فجوة كبيرة بين "الأداء النخبوي/ المسرحي" وبين "الممارسة الشعبية اليومية" للموسيقى، فقديما، كانت الموسيقى العراقية تتنفس في المقاهي، المناسبات الاجتماعية، والأعراس التي كانت تعتمد على فرق العزف المباشر (تخت شرقي أو فرقة ريفية)، ولكن استبدال ذلك بالتطورات التكنلوجية الحالية أدى الى جفاف البيئة التي يخرج منها العازف المبتدئ ليصبح محترفا؛ ونشاط الفرقة الوطنية، برغم روعته، يظل محصورا في المسارح الرسمية أو الفعاليات المنظمة.
الفن العظيم تاريخيا هو الذي يخرج من الأزقة والنوادي الصغيرة والمبادرات الفردية التي تنافس بعضها بعضا، وان غياب "الفرق المحلية المستقلة" يعني غياب التنوع والمحاولات التجريبية التي قد تبتكر مقامات أو ألحان جديدة خارج إطار "إعادة الإنتاج".
يجب الخروج من دائرة "الاعتماد على المؤسسة الواحدة"، نحتاج إلى خطوات عملية تعيد إحياء النشاط الفردي والجماعي الصغير بدعم "المقاهي الثقافية" والمراكز المجتمعية: تشجيع تواجد منصات صغيرة لعزف حي في مناطق مثل شارع المتنبي، الكرادة، والأحياء التاريخية، لتوفير مساحة تواصل مباشر بين الفنان والجمهور.
يجب توفير منح صغيرة للشباب الموهوبين لتسجيل أعمالهم الأصلية أو تكوين فرق موسيقية صغيرة تشجيع الشباب على تعلم العود، القانون، والسنطور كآلات "عصرية" وليس كقطع أثرية، ودمجها في الموسيقى الحديثة التي يحبونها.
ان المجتمع الذي عانى من تراكم الأزمات بحاجة إلى الفن كنوع من العلاج الجماعي؛ الموسيقى الرصينة تمنح الفرد فرصة للتأمل والهدوء النفسي، مما يقلل من حدة التوتر الاجتماعي وينعكس إيجابا على السلوك العام في الشارع والمؤسسات.