أثارت قضية الاعتداء الجنسي على محتجزة في داخل مركز شرطة في محافظة الديوانية مطالبات فورية بمحاسبة المتورطين وحماية الضحية، بعد توقيف ضابط وثلاثة منتسبين على ذمة التحقيق، ووجه الوكيل الأقدم لوزارة الداخلية حسين العوادي باتخاذ إجراءات رادعة وإحالة المتهمين إلى الجهات التحقيقية والقضائية، مشددا على أن الوزارة لن تتهاون مع أي انتهاك، وأن العقوبات ستطبق على من تثبت إدانته، بحسب قوله.

وعلى الفور جوبهت العملية الإجرامية التي يندر حدوثها في بلدان العالم بشجب عام من الرأي العام العراقي والمطالبة بالتطبيق الفوري لحكم القضاء والقانون المتعلق بمواجهة تلك الجرائم ولجمها.

وبرغم إدانة الرأي العام لتلك الواقعة، فقد لاحظنا جملة أمور شذت عن القاعدة العامة؛ إذ حاول بعض الإعلاميين الذين دأبوا على النشر من التواصل الاجتماعي على محاولة إنقاذ الجاني وتحميل الضحية تبعات الجريمة، وتعمد بعضهم السخرية من الجريمة والتصرف معها كنكتة  باستغلال الواقعة الجنسية ذاتها من دون التطرق إلى جذورها وأسبابها، فمن المعروف أن الوضع في العراق شهد في المدة الأخيرة انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان تمثلت في الضرب وايذاء الآخرين و إيقاع الأذى بالناس حتى ذوي المطالب الاقتصادية مثل المتظاهرين، كما ترافقت حادثة الاعتداء على النزيلة في الديوانية مع نشر واقعة تحرش من قبل منتسب للشرطة في سوق القائم وصلت الى المجابهة مع المتبضعين ورفع السلاح بوجههم.

 لقد كانت مسوغات المشككين وحتى قبل أن يشرع التحقيق وتظهر نتائجه، أن امر الاعتداء الجنسي جرى بالتراضي، وهذا بالتأكيد ليس مسوغا لغض النظر عن القضية إذ لوكان الامر كذلك لسمحنا بممارسة الدعارة في دوائر ومؤسسات الدولة والمدارس، فهل يرضى هؤلاء الذين يحاولون تمييع القضية بذلك ويعطون تخريجا قانونيا لتلك الأعمال؟

 الحقيقة أن الممارسات التي يرتكبها كثير من رجال الشرطة في العراق واستغلال موقعهم لممارسة الانتهاكات والقسوة المتناهية بحق المدنيين هي جزء من الأزمة العامة للبلد التي تسببت فيها عملية التغيير السياسي "غير الشعبية" في عام 2003 وأبرز مظاهرها انتشار واستمرار الفساد الاداري والمالي الذي شملت سطوته مديريات ومراكز الشرطة ولم تسلم من ممارسته الشرطة كأفراد ومؤسسات بنتيجة جهل وتخلف هذا الجهاز وانعدام تعليم معظم منتسبيه. 

ويقول محامون إن خطورة الاتهامات تكمن في شمولها ضابطا ومنتسبين يعملون في داخل مركز يحتجز النساء، عادين أن الواقعة، في حال ثبوتها، تكشف خللا في منظومة إدارة مراكز التوقيف. ومن هنا برزت المطالب الواسعة بإسناد إدارة مراكز توقيف النساء إلى شرطيات وملاكات نسوية، مع إجراء تقويم شامل للعاملين فيها، وحتى في هذا المجال فقد برز بضعة معارضين بالتشكيك في مقدرة النساء على حماية مؤسساتهن.

إن حماية النساء والسجينات والقاصرات في داخل مراكز الاحتجاز و مراكز الشرطة تمثل واحدة من أهم المعايير الأساسية التي تبنتها النظم القانونية والحقوقية في الدول المتقدمة، وكرستها المواثيق الدولية عبر قواعد صارمة لا تقبل التأويل. وما حدث في محافظة الديوانية يمثل انتهاكا صارخا وبشعا ليس فقط للقانون والشرائع، بل للأعراف الإنسانية كافة، ويؤكد الحاجة الملحة لإصلاح جذري وعاجل لمنظومة حماية الأحداث والنساء في مراكز الاحتجاز العراقية.

ان أبرز ما تنص عليه المعايير الدولية والممارسات المتبعة في الدول المتقدمة للتعامل مع هذه القضية والمطبقة فعلا يتضمن ايداع النساء والسجينات لاسيما القاصرات عند الاحتجاز في سجون أو مراكز توقيف مستقلة تماما عن سجون الرجال، أو في أقسام معزولة كليا لها مداخلها وإدارتها الخاصة التي تحميهن من أي اختلاط أو احتكاك بالعناصر الذكور. وأقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2010 ما يعرف بـ "قواعد بانكوك" (قواعد معاملة السجينات والتدابير غير الاحتجازية للمجرمات)، التي تشدد بوضوح على الخصوصية الشديدة لظروف النساء، وضرورة توفير أقصى درجات الحماية لهن من جميع أشكال العنف الجنسي أو الجسدي أو التحرش.

وتنص القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء وقواعد بانكوك على أن تكون مهمة رعاية السجينات والإشراف عليهن والتفتيش والحراسة من اختصاص موظفات وشرطيات نساء حصرا؛ لا يسمح للشرطيين أو الضباط الرجال بالدخول إلى أقسام النساء أو التواجد معهن بمفردهم تحت أي ذريعة أمنية أو تحقيقية؛ وفي حال استدعت الضرورة القصوى دخول موظف ذكر (كأخصائي طبي أو فني صيانة عاجلة)، يجب أن يكون ذلك حصرا برفقة عناصر من الشرطة النسائية وبشكل علني وتحت الرقابة المشددة.

وتعتمد مراكز الاحتجاز الحديثة في الدول المتقدمة على أنظمة مراقبة إلكترونية دقيقة في الممرات والأقسام المشتركة مع مراعاة خصوصية غرف النزيلات، لتوثيق أي حركة ورصد أي تجاوز محتمل من قبل أي عنصر أمني فور وقوعه. تتيح السجون المتقدمة للسجينات لاسيما القاصرات إمكانية الوصول المباشر لجهات رقابة قضائية أو حقوقية مستقلة وخطوط ساخنة سرية للإبلاغ عن أي ابتزاز أو سوء معاملة من دون خوف من انتقام إدارة السجن أو العناصر الأمنية.

في الدول التي تحترم سيادة القانون، أي اعتداء من قبل رجل أمن على محتجزة أو سجينة لا يعامل كجريمة جنائية اعتيادية فحسب، بل يشدد عقابه قانونيا بصفته "خيانة جسيمة للثقة العامة واستغلالا للسلطة"، وتتعرض القيادات الأمنية المسؤولة للطرد والسجن بسبب الإهمال أو التقصير في توفير الحماية.

إن الواقعة المؤلمة التي حصلت في الديوانية تعري بشدة حجم الخلل في غياب آليات الرقابة الصارمة، وتثبت أن ترك النساء أو القاصرات عرضة لسطوة محققين أو منتسبين رجال شرطة بلا حراسة نسائية صارمة أو كاميرات مراقبة أو إشراف قضائي دقيق، يفتح الباب أمام كارثة أخلاقية وإنسانية تسقط هيبة القانون والدولة بأكملها.