أعلنَ قبل أيام السيد وزير المالية والخزانة التركي عن أنّ حكومته تركت السياسة الاقتصادية الارثدوكسية (Orthodox)، وستعمل وفق السياسة الاقتصادية الهيترودوكسية (Heterodox).

وقبل الخوض في تفاصيل السياسة الاقتصادية الجديدة للحكومة التركية لا بدَّ من الإشارة إلى معاني مفهومي الأرثدوكسية والهيترودوكسية.. أما السياسة الاقتصادية الأرثدوكسية، فهي تلك السياسات المعروفة والمتعارف عليها وفق السياقات الاقتصادية العلمية التقليدية المعمول بها قديما وحديثا، وأما السياسات الاقتصادية الهيترودوكسية، فهي تلك السياسات الاقتصادية الغير ممارَسة في العادة، والغير مقبولة لدى فقهاء الاقتصاد، والتي تتعارض مع أسس وقواعد علوم الاقتصاد التقليدية.

مرّت الحكومة التركية الحالية بمرحلتين اقتصاديتين، الأولى: من سنة 2002م ولغاية الانقلاب العسكري الفاشل سنة 2016، والثانية: من سنة 2016م ولغاية اليوم.

اتبعت الحكومة في المرحلة الأولى سياسة اقتصادية أرثدوكسية، إذ بنت اقتصادها على مبادئ اقتصاد السوق، واستقلالية البنك المركزي، فاتخذت سياسات كبح جماح التضخم، والسيطرة على الكتلة النقدية، وتشجيع الإنتاج والتصدير، والتدرج في خفض نسبة الفوائد وفق انخفاض معدلات التضخم، وترشيد الانفاق، وغيرها، كل ذلك وفق قواعد وأسس علوم الاقتصاد المعمولة في العالم الحر المعاصر، فتمَّ تخفيض التضخم وأسعار الفوائد، وتقليل الديون، وارتفعَ نمو الناتج المحلي الإجمالي وتوفرت فرص العمل، واقترب الاقتصاد التركي من مصافِّ الاقتصادات العشرة الأولى.

أما في المرحلة الثانية، فقد وقعت الحكومة تحت وطأة الآثار السلبية للانقلاب العسكري الفاشل، وأخذت تتَحسّسُ من فوبيا إسقاطها، فلجأت منذ ذلك التاريخ إلى اتخاذ سياسة تحشيد قواعدها الإسلامية المحافظة والقومية الوطنية اليمينية، من خلال تبنّي سياسات أيديولوجية إسلامية وقومية طورانية، وفي خِضَمِّ هذا التحشيد خلطت الحكومةُ السياسةَ بالاقتصاد، لذلك فقدت السياسةُ والاقتصادُ بوصلتَهما الطبيعية، وأخذتا منحى هيترودوكسيًّا متزمتا.. فتمركزت الجهود السياسية للحكومة في عسكرة الصراع مع الإرهاب، الذي يتمثل بحزب العمال الكردستاني، وتحشيد الجماهير التركية القومية حول مقولة "البقاء" التي أصبحت شعار الحكومة باعتبارها حامية وحدة الأراضي التركية ووحدة العلم والوطن واللغة والشعب، فيما تمركزت الجهود الاقتصادية للحكومة في شعار محاربة الربا والفوائد، فألصقت بها كل المساوئ والآثام، واعتبرتها السبب الأساسي لأزمة التضخم، ولكافة ما يعانيه الاقتصاد التركي، أملا في تلقي الحظوة لدى القواعد الإسلامية والمحافظة التي تمثل صلب البنية التحتية للحكومة والحزب.

والذي يهمنا في هذا المقال هو تصريحات وزير المالية والخزانة حول السياسة الهيترودوكسية الاقتصادية للحكومة، والتي يمكن تحديد مضامينها بالآتي:

* تخفيض سعر الفائدة دون معدلات التضخم، ففي حين يتجه معظم الدول التي تعاني من تضخم دائم إلى رفع أسعار الفائدة كأداة تقليدية من أدوات السياسة النقدية الأرثدوكسية للبنوك المركزية لمعالجة التضخم، يقوم البنك المركزي التركي بخفض نسبة الفائدة، باعتبارها الآفة الاجتماعية الخطيرة التي تتسبب في التضخم في نظر الحكومة والقواعد الداعمة لها.

* حينما أدّى تخفيض سعر الفائدة إلى ارتفاع سعر صرف الدولار وفقدان السيطرة عليه، اضطرت الحكومة إلى ترك نهج تخفيض سعر الفائدة، وسياسة سعر الصرف المنافس( المنخفض) لليرة التركية، واطلاق العنان للتضخم بالصعود، فتبنّت منتجًا جديدًا بين ليلة وضحاها، وسلكت طريقا مغايرا للسياسة السابقة كليا، واطلقت منتجَ "الإيداع بالليرة التركية في البنوك بفائدة رسمية إضافةً إلى فرق سعر صرف الدولار على أن لا تتجاوز 3 نقاط أساسية"، وهذا رفعٌ لسعر الفائدة بلا شكّ، ومناقضٌ كليا للشعار الذي رفعته الحكومةُ في محاربة الربا وتخفيضِ الفائدة، وتُعتبَرُ هذه الخطوة سياسةً اقتصادية هيترودوكسيةً لا تتوافق مع ما تعارف عليه الدول المعاصرة ومع ما هو معلوم لدى خبراء الاقتصاد في العالم، ناهيك عن أنها تتناقض أيضا مع السياسة الهيترودوكسية السابقة للحكومة والخاصة بتخفيض سعر الفائدة دون معدل التضخم.

* اتّخذَ البنكُ المركزي قرارًا قبل أيام يقضي بإجبار المصدّرين بصرف 25% من مواردهم الناتجة عن التصدير من العملة الصعبة إلى الليرة التركية بسعر صرف يحدده البنك المركزي، هذه الخطوة تتناقض مع مبادئ اقتصاد السوق والاقتصاد الأرثودوكسي المتعارف عليه عالميا، وهي خطوة ستثير اشمئزازا في الوسط التجاري، وتخلق مشاكل مالية لدى المصدّرين، وبالأخص الذين يعتمدون على الاستيراد في إنتاجهم وتصديرهم.

* اتّخذ البنك المركزي قرارًا آخر قبل أيام يقضي بفرض عمولة على المودوعات بالعملة الصعبة لدى البنوك التجارية مقدارها 1.5%، تدفعها البنوك التجارية إلى البنك المركزي، مما سيدفع بهذه البنوك إلى إقناع عملائها بتحويل مودوعاتهم إلى الليرة التركية، كي تتلافى دفع هذه العمولة، هذه أيضا خطوة هيترودوكسية تتناقض مع مبادئ اقتصاد السوق وتقاليد الاقتصاد الأرثودوكسي المعروفة عالميا، وستُشكّل هذه الخطوة عبئا آخر على التضخم وسعر الفائدة، لأن البنوك التجارية ستقوم حتما، إن عاجلا أو آجلا، بتحميل هذه النسبة على العملاء، والتي ستظهر على شكل زيادة في التضخم وسعر الفائدة.

* تَبنَّت لجنة استقرار الأسعار التابعة لوزارة المالية والخزانة قرارا بتكثيف عمليات التفتيش على الأسعار في محلات التجزئة ومعاقبة المخالفين والمُغالين في الأسعار، بالتزامن مع صدور قوانين من المجلس الوطني التركي بخصوص السيطرة على الأسعار.. وهذه أيضا خطوة هيترودوكسية مُستهجَنة في عالم الاقتصاد الأرثودوكسي، وتُعتبر هذه الخطوة شكلا من أشكال تثبيت الأسعار في الاقتصاد الاشتراكي، وحيودًا ملموسًا عن مفاهيم ومبادئ اقتصاد السوق التي تدعي الحكومة الالتزام بها، والعمل بموجبها، في حين كان يجب على الحكومة اتخاذ الخطوات التي تؤول إلى خفض تكاليف الإنتاج من خلال تبني سياسة مالية منسجمة مع هذا التوجّه.

* وصرّح وزير المالية والخزانة كذلك بأنه هناك خطوات هيترودوكسية لاحقة ستتخذها الحكومة لمعالجة الأزمة الاقتصادية التركية، وسوف نرى جميعا نموذجا تركيا لاقتصاد تفتقر الكلمات عن وصفه، ويعجز الاقتصاد عن توصيفه، إنه الاقتصاد الهيترودوكسي التركي، فهل ستنجح التجربة؟

وهل ستفلح جهود الحكومة الأحادية بضخّ كميات هائلة من الدولارات إلى الأسواق في حماية سعر صرف الليرة من الهبوط، من دون اللجوء إلى الأدوات الحقيقية الكفيلة بكبح جماح التضخم؟