استيقظ الوسط الاكاديمي في العراق مؤخرا على وقع "زلزال" او "فضيحة مكتملة الاركان" في جامعة حكومية. الخبر نزل كالصاعقة: تدريسيان اشتريا بحثا جاهزا! والادهى من ذلك ان احدهما نال ترقية ومنصبا حساسا بفضل هذا الابداع "المشترياتي". يا لها من مفاجاة مذهلة، وكأننا اكتشفنا للتو ان التفاحة تسقط باتجاه الارض، او ان مكاتب "باب المعظم" تبيع الشاي والقهوة وليس بحوث الماجستير والدكتوراه!
المثير للدهشة ليس الفعل بحد ذاته، بل حالة الاستغراب التي صبغت الخبر. يتحدثون عن فضيحة فريدة وكان معظم الاكاديميين يحملون مجاهرهم ويقضون لياليهم في المختبرات يفككون الذرة او يستنبطون علاجات للامراض المستعصية، بينما الواقع يقول ان سوق مريدي الاكاديمي يزدهر عبر صفقات الواتساب، وبرعاية مكاتب تجهيز البحوث التي اصبحت تعمل بـ "دليفري" فائق السرعة.
في هذه الواقعة تحديدا، لم ينكشف المستور بفضل لجان الرصانة او برامج كشف الاستلال، بل بفضل "شطارة" المكتب الذي باع البحث نفسه لشخصين! هنا تكمن الماساة، الفساد في مؤسساتنا لم يعد يخشى الرقابة العلمية، بل بات يخشى فقط "غش" البائعين وعدم التزامهم بـ "اخلاقيات مهنة" بيع البحوث المسروقة.
ان ما يحدث ليس مجرد حوادث متفرقة، بل هو "سيستم" مواز ومنظومة متكاملة تغلغلت في مفاصل التعليم العالي. عندما يصبح البحث العلمي مجرد وسيلة لجمع النقاط من اجل الترقية او الوصول الى منصب اداري، يتحول الاستاذ من "باحث عن الحقيقة" الى "زبون دائم" لدى مكاتب التجهيز.
تاثير هذه الظاهرة يتجاوز مجرد سرقة علمية، فهو يضرب في العمق:
مصداقية الشهادة العراقية: التي باتت تختبر في محافل النشر الدولي وتقابل احيانا بعلامات استفهام كبيرة.
تسطيح المعرفة: حيث تمتلئ الرفوف باوراق مطبوعة لا تساوي قيمة الحبر الذي كتبت به، ولا تقدم حلا لمشكلة واحدة في المجتمع.
قتل الطموح: حين يرى الباحث الحقيقي ان "زميله" ارتقى المناصب واشترى الالقاب بـ "شدة دولارات"، بينما هو يصارع شحة الامكانيات في مختبر متهالك.
ختاما..
عذرا يا نيوتن، وعذرا يا اينشتاين، ففي بعض زوايا اكاديميتنا، الجاذبية ليست للارض، بل للمناصب، والبحث عن الحقيقة استبدل بالبحث عن "ارخص مكتب بحوث".
ان التعامل مع فضيحة هذه الجامعة كحالة "شاذة" هو الفضيحة الاكبر. فالاعتراف بان المرض اصبح "جائحة" اكاديمية هو الخطوة الاولى للعلاج. اما الاستمرار في وضع اصابعنا في اذاننا وابداء الدهشة مع كل خبر ينكشف، فلن يؤدي الا الى تحويل جامعاتنا الى مجرد "معارض للترقيات الوهمية" ومصانع للالقاب التي لا تغني ولا تسمن من جوع علمي.