استفتاء كوردستان.. ذكرى يومٍ قاد فيه مسعود بارزاني إرادة الشعب نحو تقرير المصير
في الخامس والعشرين من أيلول/سبتمبر، يستعيد شعب كوردستان ذكرى محطة تاريخية بارزة في مسيرته السياسية؛ ففي عام 2017، توجه الملايين إلى صناديق الاقتراع للتعبير عن موقفهم من مستقبل كوردستان السياسي، في استفتاء قاد مساره السياسي الرئيس مسعود بارزاني، وسط ظروف داخلية وإقليمية ودولية شديدة التعقيد.
لم يكن الاستفتاء حدثاً منفصلاً عن سياقه السياسي، بل جاء بعد سنوات من الخلافات بين أربيل وبغداد حول عدد من الملفات الدستورية والسياسية، وفي مقدمتها المادة 140، والموازنة والحقوق المالية، وقوات البيشمركة، وغيرها من القضايا العالقة. وفي ظل تعثر الحلول السياسية، جاء قرار الاستفتاء ليضع قضية تقرير المصير أمام الشعب بصورة مباشرة.
وفي 25 أيلول 2017، بلغت نسبة المشاركة، وفق النتائج المعلنة، 72.16%، فيما صوت 92.73% لصالح خيار الاستقلال، بواقع 2,861,471 صوتاً. وتبقى هذه الأرقام شاهدة على حجم المشاركة والإرادة الشعبية التي عبّر عنها الناخبون في تلك اللحظة التاريخية.
وقد ارتبط الاستفتاء بصورة وثيقة بالقيادة السياسية للرئيس مسعود بارزاني، الذي واجه خلال تلك المرحلة ضغوطاً إقليمية ودولية واسعة لتأجيله. ومع ذلك، تمسك بإجراء التصويت، مؤكداً أن قضية مستقبل كوردستان ينبغي أن تُعرض على الشعب، وأن أي بديل سياسي يجب أن يكون واضحاً وقادراً على معالجة جوهر مسألة تقرير المصير.
ومن الناحية القانونية، من المهم التمييز بين القيمة الشعبية والسياسية للاستفتاء وبين أثره القانوني الدولي. فالاستفتاء لا ينشئ، بمجرده، دولة مستقلة ولا يؤدي تلقائياً إلى تغيير الوضع الدولي للإقليم؛ إذ يرتبط تحقيق الاستقلال بعوامل أخرى، من بينها الاعتراف الدولي والتوافقات السياسية والواقع الإقليمي والدولي.
لكن ذلك لا ينتقص من القيمة التاريخية والسياسية للاستفتاء، باعتباره وثيقة موثقة تعبّر عن إرادة شعبية واسعة بشأن تقرير المصير. فقد نقل القضية من نطاق المطالب السياسية والمفاوضات إلى صناديق الاقتراع، وأصبح موقف الشعب موثقاً بالأرقام والنتائج.
كما أن التعبير عن الهوية الكوردستانية لا يعني إقصاء الآخرين، فالمجتمع الكوردستاني يتميز بتنوعه القومي والديني والثقافي، وتبقى حماية هذا التنوع والمساواة بين مكوناته من أهم مقومات الاستقرار. ولذلك فإن قوة الهوية الوطنية الحقيقية تكمن في قدرتها على احترام التعددية والعيش المشترك، لا في إقصاء أي مكون.
وبعد مرور سنوات على استفتاء 25 أيلول، تبقى قيمته الأساسية في أنه جسّد إرادة شعبية موثقة حول قضية مصيرية. كما أثبتت التجربة أن الإرادة الشعبية، رغم أهميتها، تحتاج إلى مؤسسات قوية ودبلوماسية فعالة واستراتيجية سياسية وقانونية قادرة على تحويل المطالب الوطنية إلى نتائج مستدامة.
إن 25 أيلول 2017 لم يكن مجرد يوم انتخابي عابر، بل يوم قاد فيه مسعود بارزاني مساراً سياسياً وضع قضية تقرير المصير أمام الشعب، فكانت صناديق الاقتراع شاهداً على موقف شعبي سيبقى حاضراً في الذاكرة السياسية لكوردستان.
وستظل ذكرى الاستفتاء مناسبة لاستحضار قيمة الإرادة الشعبية، وأهمية القيادة السياسية، وضرورة التمسك بالحوار والقانون والتعايش، باعتبارها ركائز أساسية لبناء مستقبل أكثر استقراراً وسلاماً لكوردستان والعراق والمنطقة.