ارتفاع سعر صرف الدولار ليس مجرد رقم يظهر على شاشة الصيرفة أو في نشرات الأسواق، بل هو قضية اقتصادية وسياسية واجتماعية تمس دخل المواطن، وأسعار الغذاء والدواء، والإيجارات، والسلع المستوردة، وكلفة الإنتاج، وحتى قدرة الأسرة العراقية على التخطيط لمعيشتها.
وفي العراق، تزداد حساسية سعر الصرف لأن الاقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية، بينما يستورد جزءاً كبيراً من احتياجاته من الخارج. لذلك فإن أي اضطراب في سوق الصرف أو ارتفاع في كلفة الدولار يمكن أن ينتقل سريعاً إلى السوق، خصوصاً عندما تكون الرقابة ضعيفة أو عندما يستغل بعض التجار تغيرات سعر الصرف لرفع الأسعار بأكثر من حجم الزيادة الفعلية في كلفة الاستيراد.
المواطن لا يدفع ثمن الدولار وحده
المشكلة الحقيقية ليست في ارتفاع الدولار بحد ذاته، وإنما في أثره المتسلسل على الأسعار والدخل.
فعندما ترتفع كلفة الدولار، ترتفع كلفة استيراد المواد الأولية والسلع والمواد الغذائية والأدوية وقطع الغيار، ثم تنتقل الزيادة تدريجياً إلى المستهلك. وهنا يصبح المواطن أمام معادلة صعبة: راتبه بالدينار، بينما جزء مهم من احتياجاته مرتبط بالدولار.
ولهذا فإن معالجة سعر الصرف لا ينبغي أن تكون بمعزل عن حماية القوة الشرائية للمواطن.
السؤال الذي يطرح نفسه اليوم ليس فقط: كم أصبح سعر الدولار؟ وإنما أيضاً: لماذا يتحمل المواطن وحده كلفة التغيرات الاقتصادية؟ وأين تذهب بقية الإيرادات غير النفطية من الضرائب والكمارك والمنافذ والإيرادات الحكومية؟ وكيف يمكن تحويل هذه الإيرادات إلى خدمات وحماية اجتماعية واستقرار اقتصادي؟
لا يمكن معالجة الدولار بقرار منفرد
من الخطأ التعامل مع سعر الصرف وكأنه مشكلة تخص البنك المركزي وحده. استقرار العملة يحتاج إلى منظومة متكاملة تشترك فيها السياسة النقدية والمالية والتجارية والإنتاجية.
فالعلاج يبدأ من ضبط الإنفاق الحكومي، وتحسين إدارة الإيرادات، وتوسيع الوعاء الضريبي بصورة عادلة، والسيطرة على التهرب الجمركي، وتنظيم المنافذ الحدودية، وتشجيع الإنتاج المحلي، وتقليل الاستيراد غير الضروري، وتوفير الدولار الحقيقي لمن يحتاجه للأغراض التجارية والإنتاجية.
كما أن السوق يحتاج إلى وضوح وثقة؛ لأن الغموض في السياسة النقدية أو المالية يدفع المواطنين والتجار إلى التحوط بالدولار، ويزيد الطلب عليه.
ماذا فعلت دول أخرى؟
التجارب الدولية تقدم دروساً مهمة، لكنها لا تعني أن العراق يستطيع نسخ تجربة دولة أخرى حرفياً.
في مصر، واجه الاقتصاد ضغوطاً كبيرة على العملة الأجنبية، واتجهت السلطات في آذار 2024 إلى توحيد سعر الصرف الرسمي والموازي والانتقال إلى نظام أكثر مرونة، بالتزامن مع تشديد السياسة النقدية والمالية وإجراءات لدعم الفئات الأكثر تضرراً. ويشير صندوق النقد إلى أن توحيد سوق الصرف ساعد على توفير السيولة الأجنبية ومعالجة تراكم طلبات الدولار.
أما تركيا، فقد اتجهت منذ 2023 إلى تشديد السياسة النقدية بصورة كبيرة لمواجهة التضخم والاختلالات، مع استخدام تدخلات في سوق الصرف لتخفيف التقلبات الحادة وليس لاستبدال السياسة الاقتصادية الأساسية.
الدرس من التجربتين أن استقرار العملة لا يتحقق بقرار إداري واحد، وإنما يحتاج إلى سياسة نقدية ومالية منسجمة، وسوق صرف واضح، وإنتاج حقيقي، وثقة بالمؤسسات الاقتصادية، وحماية للفئات المتضررة.
ماذا نحتاج في العراق؟
نحتاج إلى حزمة متكاملة، تبدأ من:
أولاً: حماية القوة الشرائية للمواطن، وعدم اتخاذ أي قرار يتعلق بسعر الصرف من دون دراسة أثره على أصحاب الدخل المحدود والطبقة الوسطى.
ثانياً: زيادة الإيرادات غير النفطية، ليس بالضغط على المواطن بالضرائب، وإنما من خلال مكافحة التهرب، وتنظيم المنافذ الحدودية والكمارك، وتحسين إدارة ممتلكات الدولة وإيراداتها.
ثالثاً: دعم الصناعة والزراعة والإنتاج المحلي، لأن البلد الذي يستورد معظم احتياجاته سيبقى أكثر تعرضاً لتقلبات العملات الأجنبية.
رابعاً: ضبط السوق ومنع استغلال سعر الدولار ذريعة لرفع الأسعار. فإذا ارتفعت كلفة الدولار بنسبة محدودة، لا يجوز أن تتحول الزيادة إلى ارتفاع مضاعف في أسعار السلع.
خامساً: وضع سياسة واضحة لسوق الصرف، لأن المواطن والتاجر والمستثمر يحتاجون إلى معرفة القواعد التي تحكم السوق، وليس إلى مفاجآت متكررة.
سادساً: توجيه الإنفاق الحكومي نحو المشاريع المنتجة التي تخلق فرص عمل وإيرادات، بدلاً من استمرار الاقتصاد في الاعتماد على الإنفاق الجاري والنفط.
الاقتصاد لا يُعالج على حساب المواطن
العراق يمتلك موارد كبيرة، لكن التحدي الحقيقي هو كيفية إدارة هذه الموارد وتحويلها إلى اقتصاد منتج ومستقر.
فالنفط يمكن أن يوفر الدولار، لكنه لا يبني وحده اقتصاداً متنوعاً. والاستقرار الحقيقي للعملة لا يأتي فقط من الاحتياطيات، وإنما من قدرة الدولة على إنتاج الغذاء والدواء والسلع، وتشغيل الشباب، وجذب الاستثمار، وتنظيم التجارة، وتحقيق إيرادات مستدامة.
ومن هنا فإن ارتفاع الدولار يجب ألا يتحول إلى مواجهة بين الحكومة والمواطن، بل إلى مناسبة لإعادة النظر في بنية الاقتصاد العراقي.
المواطن يريد سعراً مستقراً، لكنه يريد قبل ذلك سياسة اقتصادية واضحة وعادلة. يريد أن يعرف أين تذهب الإيرادات، ولماذا ترتفع الأسعار، ومن يحمي راتبه وقوته الشرائية.
إن معالجة سعر الصرف ليست قراراً مالياً فقط؛ إنها قرار يتعلق بالعدالة الاقتصادية وبثقة المواطن بالدولة. وكلما نجحت الدولة في تنويع اقتصادها، وزيادة إيراداتها غير النفطية، ودعم الإنتاج المحلي، وضبط الإنفاق والأسواق، أصبحت أكثر قدرة على حماية الدينار والمواطن معاً.
فالمطلوب ليس فقط الدفاع عن سعر الدينار، وإنما الدفاع عن قيمة دخل المواطن العراقي أيضاً.