بقلم: ماجد سوره ميري
كنت اليوم في زيارة خاطفة لإحدى مدن محافظة واسط العراقية لتقديم واجب العزاء لعائلة كوردية فيلية فقدت أحد أفرادها؛ وكان المجلس يعجّ بالحضور، والوجوه تحمل أثر الحزن المشترك. لكن ما سرق انتباهي ليس مجرد الفقدان، بل لقب عربي كتب في ذيل اسم الفقيد. سألت أحد الحاضرين عن سرّ هذا اللقب، فأجابني بلوعة ممزوجة بالأسى : "على حد علمي هناك أكثر من 1500 عائلة كوردية فيلية في المنطقة كلّها تحمل ألقاب عشائر عربية منذ ثمانينيات القرن الماضي، تفاديا لموجات التهجير والسجن والتغييب التي نفّذها نظام صدام البعثي".
تخيّلوا: أبناء عشائر كوردية فيلية أصيلة، سكّان هذه الأرض منذ قرون، يضطرون إلى استعارة هوية غيرهم ليبقوا على قيد الحياة (يسمونه في العرف العشائري في أفضل الأحوال "ذاب جرش" اذا الشخص المنضم للعشيرة ذا مكانة ومرغوبا به واحيانا يسمونه "لفو" اذا كان بلا مكانة اجتماعية).. لم يكن الأمر خيارا شخصيا، بل سياسة دولة منظّمة تهدف إلى محو وجود شعب بأكمله؛ ففي عهد البعث، صنّف الكورد الفيليون "أجانب" و"عملاء إيران"، جرّدوا من أوراقهم الثبوتية، وألقي بهم في الصحارى والسجون، وأبيدت عائلات بأكملها. وكان تغيير اللقب هو طوق النجاة الوحيد.
وما هي إلا لحظات حتى أومأ الرجل نفسه إلى شخص آخر جالس في المجلس، وارتسمت على ثغره ابتسامة بائسة مليئة بالسخرية المرّة، بينما كانت المرارة واضحة في عينيه، وقال بصوت خافت ساخر: "بالله هو هذا شكل واحد من العشيرة الفلانية؟". كانت الإشارة مباشرة إلى العشيرة العربية التي يحملون لقبها. في تلك اللحظة شعرت بثقل المهانة التي يعيشونها يوميا: ليس فقط أنهم غيّروا ألقابهم قسرا، بل إنهم يجبرون الآن على التظاهر بأنهم "أبناء عشيرة" لا ينتمون إليها أصلا، ويسخر من ملامحهم ولهجتهم وشكلهم لأنهم لا يشبهون "أهل العشيرة" الذين حملوا اسمهم مجبرين.
مرّ أكثر من عقدين كاملين على سقوط النظام الديكتاتوري عام 2003؛ تغيّرت الوجوه في السلطة، وصدر دستور يتحدث عن "المواطنة" و"المساواة" وحقوق الأقليات، وأنشئت لجان ومؤسسات لحقوق الإنسان؛ لكن هذه الـ1500 عائلة – وغيرها من آلاف العائلات الفيلية في واسط وبغداد وديالى – ما زالت تحمل ألقابا مستعارة. لم يعد الخوف من "الأمن" وزبانية النظام البعثي فقط، بل استمرار الخوف من بيروقراطية بطيئة، ومن مجتمع لا يزال ينظر إلى "الفيلي" بعين الشك، ومن سلطة لا تجد في قضيتهم أولوية.
هذه ليست مجرد قصة ألقاب وأسماء.. إنها سرقة هوية ممنهجة، وانتهاك صارخ لحقوق الإنسان الأساسية: الحق في الانتماء، الحق في التعبير عن الذات الثقافية، والحق في التاريخ. الكورد الفيليون ليسوا "أقلية طائفية" أو "فئة دينية" يمكن تجاهلها تحت ذريعة "الوحدة الوطنية"؛ بل هم جزء أصيل من نسيج الشعب الكوردي، ومن تاريخ العراق نفسه. عشائرهم الأصلية كانت موجودة في سهول الفرات الأوسط قبل أن ترسم الحدود الحديثة. لكنهم دفعوا ثمن ولائهم للقومية الكوردية غاليا: الإبادة الجماعية، فقدان الجنسية، التشتت، واليوم… الاختفاء الطوعي للبقاء، بل والسخرية المرّة من شكلهم لأنهم لا يشبهون "أبناء العشيرة" التي حملوا اسمها قسرا. الأكثر إيلاما أن هذا الوضع لم يعد يفرض بالقوة فقط، بل استمر باللامبالاة الرسمية والاجتماعية. لا توجد حتى الآن آلية قانونية واضحة وسريعة تسمح لتلك العائلات باستعادة ألقابها وأسمائها الأصلية دون تعقيدات إدارية لا تنتهي. لا توجد حملات توعية رسمية تعيد للأجيال الجديدة فخرهم بتراثهم الكوردي الفيلي. ولا توجد إرادة سياسية حقيقية – لا في بغداد ولا في أربيل – لإنهاء هذا الظلم المستمر.
إن كنا نتحدث جديا عن حقوق الإنسان في العراق، فلا يمكن أن نستمر في تجاهل أكبر عملية محو هوية حدثت في العصر الحديث؛ يجب على الحكومة الاتحادية ومجلس النواب العراقي والسلطات الكوردية أن يعتبروا استعادة الهوية الفيلية قضية وطنية وقومية في آن واحد. يجب إصدار قانون خاص يتيح لكل من اضطر لتغيير اسمه أو لقبه بسبب الاضطهاد البعثي أن يستعيده بإجراءات بسيطة ومجانية وسريعة. كما يجب توثيق التاريخ الفيلي في المناهج الدراسية، ودعم الجمعيات الثقافية الفيلية، وإنشاء لجنة وطنية للنظر في مطالب هذه الشريحة المظلومة.
عندما يبقى 1500 عائلة – وآلاف غيرها – يخفون هويتهم بعد 23 عاما من "التحرير"، ويسخر منهم لأنهم لا يشبهون العشيرة التي حملوا اسمها كرها، فهذا ليس مجرد إرث ماض؛ هذا فشل حالي في بناء دولة حقيقية.
اليوم الذي يستطيع فيه شاب فيلي في إحدى مدن واسط أن يكتب اسمه الكوردي الأصيل على قبر والده دون خوف أو خجل أو سخرية، سيكون اليوم الذي نبدأ فيه فعلا بالحديث عن مصالحة وطنية حقيقية؛ حتى ذلك الحين، سيظلّ الحزن على فقيد إحدى مدن واسط يحمل طعما إضافيا مرّا: طعم الهوية المسروقة، والكرامة المهانة، التي لم ترد بعد.